کفایه الأصول (المقصد الثانی تا المقصد الخامس)  المجلد 1

کفایه الأصول (المقصد الثانی تا المقصد الخامس) المجلد 1

کفایه الأصول المجلد 1 (المقصد الثانی تا المقصد الخامس)

المقصد الثانی : فی النواهی

اشاره

[شماره صفحه واقعی : 205]

ص: 1

[شماره صفحه واقعی : 206]

ص: 2

فصل : مفاد مادّه النهی وصیغته
اشاره

الظاهر : أنّ النهی بمادّته وصیغته فی الدلاله علی الطلب ، مثلُ الأمر بمادّته وصیغته ، غیر أنّ متعلّق الطلب فی أحدهما الوجود ، وفی الآخر العدم ، فیعتبر فیه ما استظهرنا اعتبارَه فیه ، بلا تفاوتٍ أصلاً .

هل متعلق الطلب فی النهی هو الکفّ أو مجرّد الترک ؟

نعم ، یختصّ النهی بخلافٍ ، وهو : أنّ متعلّق الطلب فیه هل هو الکفّ ، أو مجرّدُ الترک وأن لا یفعل ؟ والظاهر هو الثانی .

وتوهُّمُ : أنّ الترک ومجرّد أن « لا یفعل » خارجٌ عن تحت الاختیار ، فلا یصحّ أن یتعلّق به البعث والطلب .

فاسدٌ ؛ فإنّ الترک أیضاً یکون مقدوراً ، وإلّا لَما کان الفعل مقدوراً وصادراً بالإراده والاختیار .

وکون العدم الأزلیّ لا بالاختیار ، لا یوجب أن یکون کذلک بحسب البقاء والاستمرار الّذی یکون بحسبه محلّاً للتکلیف .

عدم دلالهصیغه النهی علی التکرار

ثمّ إنّه لا دلاله لصیغته علی الدوام والتکرار ، کما لا دلاله لصیغه الأمر ، وإن کان قضیّتهما عقلاً یختلف (1) ولو مع وحده متعلّقهما ، بأن یکون طبیعهٌ

[شماره صفحه واقعی : 207]

ص: 3


1- أثبتناها من « ر » ، وفی غیرها : تختلف .

واحده بذاتها وقیدها تعلَّقَ بها الأمر مرّهً ، والنهی أُخری؛ ضروره أنّ وجودها یکون بوجود فردٍ واحدٍ ، وعدَمَها لا یکاد یکون إلّابعدم الجمیع ، کما لا یخفی .

ومن ذلک یظهر : أنّ الدوام والاستمرار إنّما یکون فی النهی إذا کان متعلّقهُ طبیعهً مطلقه غیرَ مقیّدهٍ بزمان أو حال ، فإنّه حینئذٍ لا یکاد یکون مثلُ هذه الطبیعه معدومهً إلّابعدم جمیع أفرادها الدفعیّه والتدریجیّه .

وبالجمله: قضیّه النهی لیس إلّاترک تلک الطبیعه الّتی تکون متعلّقهً له ، – کانت مقیّدهً أو مطلقه – ، وقضیّه ترکها عقلاً إنّما هو ترک جمیع أفرادها .

عدم دلاله النهی علی استمراره أو سقوطه فی فرض العصیان

ثمّ إنّه لا دلاله للنهی علی إراده الترک لو خولف ، أو عدمِ إرادته ، بل لابدّ فی تعیین ذلک من دلالهٍ ، ولو کان إطلاق المتعلّق من هذه الجهه ، ولا یکفی إطلاقها من سائر الجهات ، فتدبّر جیّداً .

[شماره صفحه واقعی : 208]

ص: 4

فصل : اجتماع الأمر والنهی
اشاره

اختلفوا فی جواز اجتماع الأمر والنهی فی واحد و امتناعِهِ علی أقوال ، ثالثها : جوازه عقلاً وامتناعه عرفاً .

تقدیم أُمور :

اشاره

وقبل الخوض فی المقصود یقدّم أُمور :

الأمر الأول :المراد بالواحد

الأوّل : المراد بالواحد مطلقُ ما کان ذا وجهین ، ومندرجاً تحت عنوانین، بأحدهما کان مورداً للأمر ، وبالآخر للنهی ، وإن کان کلّیّاً مقولاً علی کثیرین ، کالصلاه فی المغصوب (1) .

وإنّما ذُکر (2) لإخراج ما إذا تعدّد متعلّق الأمر والنهی ، ولم یجتمعا وجوداً – ولو جمعهما واحدٌ مفهوماً ، کالسجود للّٰه- تعالی – ، والسجود للصنم مثلاً – ، لا لإخراج الواحد الجنسیّ أو النوعیّ (3) ، کالحرکه والسکون الکلّیَّین المعنونَین بالصلاتیّه والغصبیّه .

[شماره صفحه واقعی : 209]

ص: 5


1- الأولی : عدم التمثیل للمجمع الکلّی به ؛ حیث إنّه لابدّ من إخراج عنوان المأمور به والمنهیّ عنه عن ذلک ، کما لا یخفی . فالأولی فی المثال قوله أخیراً : کالحرکه والسکون … ( کفایه الأُصول مع حاشیه القوچانی : 129 ) ، وراجع کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 98 .
2- فی « ر » : ذُکر هذا .
3- تعریض بالمحقّق القمّی وصاحب الفصول ، فإنّهما خصّصا النزاع بالواحد الشخصی . راجع القوانین 1 : 140 ، والفصول : 124 .

الأمر الثانی :

اشاره

الفرق بین هذه المسأله ومسأله النهی فی العباده

الثانی : الفرق بین هذه المسأله ومسأله النهی فی العباده هو : أنّ الجهه المبحوث عنها فیها – الّتی بها تمتاز المسائل – هی أنّ تعدُّد الوجه والعنوانِ فی الواحد یوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهی – بحیث یرتفع به غائلهُ استحاله الاجتماع فی الواحد بوجهٍ واحد – أو لا یوجبه ، بل یکون حاله حالَه ؟

فالنزاع فی سرایه کلٍّ من الأمر والنهی إلی متعلّق الآخر – لاتّحاد متعلّقیهما وجوداً – ، وعدمِ سرایته – لتعدّدهما وجهاً – . وهذا بخلاف الجهه المبحوث عنها فی المسأله الاُخری؛ فإنّ البحث فیها عن أنّ النهی فی العباده (1) یوجب فسادها ، بعد الفراغ عن التوجّه إلیها .

نعم ، لو قیل بالامتناع مع ترجیح جانب النهی فی مسأله الاجتماع ، یکون مثل الصلاه فی الدار المغصوبه من صغریات تلک المسأله .

فانقدح : أنّ الفرق بین المسألتین فی غایه الوضوح .

کلام الفصول فی الفرق بین المسألتین والمناقشه فیه

وأمّا ما أفاده فی الفصول من الفرق بما هذه عبارته :

«ثمّ اعلم : أنّ الفرق بین المقام والمقام المتقدّم – وهو أنّ الأمر والنهی هل یجتمعان فی شیءٍ واحد أو لا ؟ – أمّا فی المعاملات فظاهر ، وأمّا فی العبادات فهو أنّ النزاع هناک فی ما إذا تعلَّق الأمرُ والنهی بطبیعتین متغایرتین بحسب الحقیقه ، وإن کان بینهما عموم مطلق ، وهنا فی ما إذا اتّحدتا حقیقهً وتغایرتا بمجرّد الإطلاق والتقیید ، بأن تعلّق الأمر بالمطلق والنهی بالمقیّد» (2) ، انته موضع الحاجه .

[شماره صفحه واقعی : 210]

ص: 6


1- فی « ن » ، « ق » ، « ش » وبعض الطبعات الأُخری : النهی فی العباده أو المعامله .
2- الفصول : 140 .

فاسدٌ (1)؛ فإنّ مجرّد تعدّد الموضوعات وتغایرِها بحسب الذوات ، لا یوجب التمایزَ بین المسائل ما لم یکن هناک اختلافُ الجهات ، ومعه لا حاجه أصلاً إلی تعدّدها ، بل لابدّ من عقد مسألتین مع وحده الموضوع وتعدّد الجهه المبحوث عنها ، وعَقْدِ مسأله واحده فی صوره العکس ، کما لا یخفی .

فرقٌ آخر بین المسألتین والمناقشه فیه

ومن هنا انقدح أیضاً : فساد الفرق بأنّ النزاع هنا فی جواز الاجتماع عقلاً ، وهناک فی دلاله النهی لفظاً.

فإنّ مجرّد ذلک – لو (2) لم یکن تعدّد الجهه فی البین – لا یوجب إلّاتفصیلاً فی المسأله الواحده ، لا عقْدَ مسألتین ، هذا .

مع عدم اختصاص النزاع فی تلک المسأله بدلاله اللفظ ، کما سیظهر .

الأمر الثالث : مسأله الاجتماع من مسائل الأُصول

الثالث : أ نّه حیث کانت نتیجه هذه المسأله ممّا تقع فی طریق الاستنباط ، کانت المسأله من المسائل الاُصولیّه، لا من مبادئها الأحکامیّه (3)، ولا التصدیقیّه، ولا من المسائل الکلامیّه (4) ، ولا من المسائل الفرعیّه ، وإن کانت فیها جهاتها ، کما لا یخفی؛ ضروره أنّ مجرّد ذلک لا یوجب کونَها منها ، إذا کانت فیها جههٌ أُخری یمکن عقدها معها من المسائل؛ إذ لا مجال حینئذٍ لتوهّم عقدها من

[شماره صفحه واقعی : 211]

ص: 7


1- الصواب : « ففاسد » ، راجع منته الدرایه 3 : 18 .
2- فی هامش « ق » و « ش » : « ما لو » نقلاً عن نسخهٍ من الکتاب .
3- وهو مختار الشیخ الأعظم الأنصاری حسب ما جاء فی مطارح الأنظار 1 : 594 ، وبعد استدلاله علی ذلک قال : وذلک هو الوجه فی ذکر العضدی ( شرح مختصر الأُصول : 3 و 92 ) له فی المبادیء الأحکامیه ، کشیخنا البهائی . ( زبده الأُصول: 102 ) .
4- وهو الذی ذهب إلیه المحقّق القمّی فی القوانین 1 : 140 .

غیرها فی الأُصول ، وإن عقدت کلامیّهً فی الکلام (1) ، وصحّ عقدها فرعیّهً أو غیرَها بلا کلام .

وقد عرفت فی أوّل الکتاب (2): أ نّه لا ضیر فی کون مسأله واحده یبحث فیها عن جهه خاصّه من مسائل علمین؛ لانطباق جهتین عامّتین علی تلک الجهه : کانت بإحداهما من مسائل علمٍ ، وبالاُخری من آخر . فتذکّر .

الأمر الرابع :

مسأله الاجتماع عقلیّه لا لفظیّه

الرابع : إنّه قد ظهر من مطاوی ما ذکرناه: أنّ المسأله عقلیّه ، ولا اختصاص للنزاع فی جواز الاجتماع والامتناع فیها بما إذا کان الإیجاب والتحریم باللفظ ، کما ربّما یوهمه التعبیر ب « الأمر والنهی » الظاهرَین فی الطلب بالقول ، إلّاأ نّه لکون الدلاله علیهما غالباً بهما ، کما هو أوضح من أن یخفی .

وذهاب البعض (3) إلی الجواز عقلاً والامتناع عرفاً ، لیس بمعنی دلاله اللفظ ، بل بدعوی أنّ الواحد بالنظر الدقیق العقلیّ اثنان (4) ، وأ نّه بالنظر المسامحیّ العرفیّ واحد ذو وجهین ، وإلّا فلا یکون معنیً محصّلاً للامتناع العرفیّ .

غایه الأمر دعوی دلاله اللفظ علی عدم الوقوع ، بعد اختیار جواز الاجتماع ، فتدبّر جیّداً .

الأمر الخامس :

شمول النزاع لجمیع أقسام الأمر والنهی

الخامس : لا یخفی أنّ ملاک النزاع فی جواز الاجتماع والامتناع یعمّ جمیعَ أقسام الإیجاب والتحریم ، کما هو قضیّه إطلاق لفظ الأمر والنهی .

[شماره صفحه واقعی : 212]

ص: 8


1- علی هذا کان المناسب أن یقول : « هذه المسأله من المسائل الأُصولیّه وإن کانت کلامیّه وفرعیّه وغیر ذلک » . لا نفی کونها فرعیّه أو کلامیّه ( حقائق الأُصول 1 : 354 ) .
2- فی الأمر الأوّل من مقدّمه الکتاب .
3- هو المحقّق الأردبیلی فی مجمع الفائده والبرهان 2 : 112 .
4- فی الأصل و « ن » : اثنین . وفی أکثر الطبعات مثل ما أثبتناه .

ودعوی الانصراف إلی النفسیّین التعیینیّین العینیّین فی مادّتهما ، غیرُ خالیهٍ عن الاعتساف ، وإن سُلّم فی صیغتهما ، مع أ نّه فیها ممنوع .

نعم ، لا یبعدُ دعوی الظهور والإنسباق من الإطلاق ، بمقدّمات الحکمه غیر الجاریه فی المقام؛ لما عرفت من عموم الملاک لجمیع الأقسام ، وکذا ما وقع فی البین من النقض والإبرام .

مثلاً : إذا أمر بالصلاه والصوم تخییراً بینهما ، وکذلک نهی عن التصرّف فی الدار ، والمجالسه مع الأغیار ، فصلّی فیها مع مجالستهم ، کان حالُ الصلاه فیها حالَها کما إذا أمر بها تعییناً ، ونهی عن التصرّف فیها کذلک ، فی جریان النزاع فی الجواز والامتناع ، ومجیءِ أدلّه الطرفین ، وما وقع من النقض والإبرام فی البین ، فتفطّن .

الأمر السادس :

الکلام فی اعتبار قید المندوحه

السادس : أ نّه ربما یؤخذ فی محلّ النزاع قید «المندوحه» فی مقام الامتثال (1) . بل ربما قیل (2) بأنّ الإطلاق إنّما هو للإتّکال علی الوضوح؛ إذ بدونها یلزم التکلیف بالمحال .

ولکنّ التحقیق – مع ذلک – : عدمُ اعتبارها فی ما هو المهمّ فی محلّ النزاع من : لزوم المحال ، – وهو اجتماع الحکمین المتضادّین ، وعدمِ الجدوی فی کون موردهما موجَّهاً بوجهین فی دفع (3) غائله اجتماع الضدّین – ، أو عدمِ لزومه ، وأنّ تعدّد الوجه (4) یجدی فی دفعها (5) . ولا یتفاوت فی ذلک أصلاً

[شماره صفحه واقعی : 213]

ص: 9


1- بل حکی اتفاق کلمتهم علیه ( حقائق الأُصول 1 : 356 ) .
2- قاله صاحب الفصول فی فصوله : 124 .
3- فی ظاهر « ن » وحقائق الأُصول : رفع .
4- فی « ر » : تعدّد الجهه .
5- فی « ن » وحقائق الأُصول : رفعها .

وجودُ المندوحه وعدمُها . ولزوم التکلیف بالمحال بدونها محذورٌ آخرُ ، لا دخلَ له بهذا النزاع .

نعم ، لابدّ من اعتبارها فی الحکم بالجواز فعلاً ، لمن یری التکلیف بالمحال محذوراً ومحالاً ، کما ربما لابدّ من اعتبار أمر آخر فی الحکم به کذلک أیضاً .

وبالجمله: لا وجه لاعتبارها إلّالأجل اعتبار القدره علی الامتثال ، وعدمِ لزوم التکلیف بالمحال ، ولا دخل له بما هو المحذور فی المقام من التکلیف المحال . فافهم واغتنم .

الأمر السابع :

توهّمان فی مبنی النزاع والمناقشه فیهما

السابع : انّه ربما یتوهّم:

تارهً: أنّ النزاع فی الجواز والامتناع یبتنی علی القول بتعلّق الأحکام بالطبائع . وأمّا الامتناع علی القول بتعلّقها بالأفراد فلا یکاد یخفی؛ ضروره لزوم تعلّق الحکمین بواحدٍ شخصیّ – ولو کان ذا وجهین – علی هذا القول .

وأُخری : أنّ القول بالجواز مبنیٌّ علی القول بالطبائع؛ لتعدُّدِ متعلّق الأمر والنهی ذاتاً علیه ، وإن اتّحد (1) وجوداً ، والقولَ بالامتناع علی القول بالأفراد؛ لاتّحاد متعلّقهما شخصاً خارجاً ، وکونِه فرداً واحداً .

وأنت خبیر بفساد کلا التوهّمین؛ فإنّ تعدُّدَ الوجه إن کان یُجدی – بحیث لا یضرّ معه الاتّحادُ بحسب الوجود والإیجاد – ، لکان یُجدی ولو علی القول بالأفراد؛ فإنّ الموجود الخارجیّ الموجَّه بوجهین یکون فرداً لکلّ من الطبیعتین ، فیکون مجمعاً لفردین موجودین بوجودٍ واحد . فکما لا یضرّ وحده الوجود بتعدّد الطبیعتین ، لا یضرّ (2) بکون المجمع اثنین بما هو مصداقٌ وفردٌ

[شماره صفحه واقعی : 214]

ص: 10


1- کذا فی الأصل وأکثر الطبعات ، وفی بعضها : اتّحدا .
2- فی مصحّح « ق » و « ش » : کذلک لا یضرّ .

لکلٍّ من الطبیعتین ، وإلّا لما کان یُجدی أصلاً حتّی علی القول بالطبائع ، کما لا یخفی؛ لوحده الطبیعتین وجوداً واتّحادهما خارجاً .

فکما أنّ وحده الصلاتیّه والغصبیّه فی الصلاه فی الدار المغصوبه وجوداً ، غیرُ ضائر بتعدّدهما وکونِهما طبیعتین ، کذلک وحده ما وقع فی الخارج من خصوصیّات الصلاه فیها وجوداً ، غیرُ ضائرٍ بکونه فرداً للصلاه ، فیکون مأموراً به ، وفرداً للغصب ، فیکون منهیّاً عنه ، فهو – علی وحدته وجوداً – یکون اثنین؛ لکونه مصداقاً للطبیعتین . فلا تغفل .

الأمر الثامن :الفرق بین مسأله الاجتماع وباب التعارض:

1 – الفرق بحسب الثبوت

الثامن : أ نّه لا یکاد یکون من باب الاجتماع ، إلّاإذا کان فی کلّ واحد من متعلّقی الإیجاب والتحریم مناطُ حکمه مطلقاً ، حتّی فی مورد التّصادق والاجتماع ، کی یحکم علی الجواز بکونه فعلاً محکوماً بالحکمین ، وعلی الامتناع بکونه محکوماً بأقوی المناطین ، أو بحکمٍ آخر غیر الحکمین فی ما لم یکن هناک أحدهما أقوی ، کما یأتی تفصیله (1) .

وأمّا إذا لم یکن للمتعلّقین مناطٌ کذلک ، فلا یکون (2) من هذا الباب ، ولا یکون مورد الاجتماع محکوماً إلّابحکم واحدٍ منهما إذا کان له مناطه ، أو حکمٍ آخر غیرهما فی ما لم یکن لواحدٍ منهما ، قیل بالجواز أو الامتناع .

هذا بحسب مقام الثبوت .

2 – الفرق بحسب الإثبات

وأمّا بحسب مقام الدلاله والإثبات: فالروایتان الدالّتان علی الحکمین متعارضتان ، إذا أُحرز أنّ المناط من قبیل الثانی ، فلابدّ من عمل المعارضه

[شماره صفحه واقعی : 215]

ص: 11


1- فی الأمر التاسع .
2- فی « ر » : فلا یکاد یکون .

حینئذٍ بینهما من الترجیح أو التخییر (1) ، وإلّا فلا تعارض فی البین ، بل کان من باب التزاحم بین المقتضیین . فربما کان الترجیح مع ما هو أضعف دلیلاً ؛ لکونه أقوی مناطاً ، فلا مجال حینئذٍ لملاحظه مرجّحات الروایات أصلاً ، بل لابدّ من مرجّحات المقتضیات المتزاحمات ، کما تأتی الإشاره إلیها (2) .

نعم ، لو کان کلّ منهما متکفّلاً للحکم (3) الفعلیّ لَوقع بینهما التعارض ، فلابدّ من ملاحظه مرجّحات باب المعارضه ، لو لم یوفّق بینهما بحمل أحدهما علی الحکم الاقتضائیّ بملاحظه مرجّحات باب المزاحمه ، فتفطّن .

الأمر التاسع :حکم دلیلی الأمر والنهی

فی مقام الإثبات

التاسع (4) : إنّه قد عرفت : أنّ المعتبر فی هذا الباب أن یکون کلّ واحد من الطبیعه المأمور بها والمنهیّ عنها مشتملهً علی مناط الحکم مطلقاً ، حتّی فی حال الاجتماع .

فلو کان هناک ما دلّ علی ذلک من إجماع أو غیره فلا إشکال .

ولو لم یکن إلّاإطلاق دلیلی الحکمین ففیه تفصیل ، وهو:

أنّ الإطلاق لو کان فی بیان الحکم الاقتضائیّ لکان دلیلاً علی ثبوت المقتضی والمناط فی مورد الاجتماع ، فیکون من هذا الباب .

ولو کان بصدد الحکم الفعلیّ فلا إشکال فی استکشاف ثبوت المقتضی فی الحکمین علی القول بالجواز ، إلّاإذا علم إجمالاً بکذب أحد الدلیلین ، فیعامل معهما معامله المتعارضین .

[شماره صفحه واقعی : 216]

ص: 12


1- فی غیر « ر » : من الترجیح والتخییر .
2- فی التنبیه الثانی من تنبیهات الفصل .
3- الأنسب : بالحکم .
4- الأولی له : ذکره فی ذیل الأمر المتقدّم ؛ لکونه راجعاً إلی مقام إثبات باب الاجتماع ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 121 ) ، وانظر منته الدرایه 3 : 47 .

وأمّا علی القول بالامتناع فالإطلاقان متنافیان ، من غیر دلاله علی ثبوت المقتضی للحکمین فی مورد الاجتماع أصلاً؛ فإنّ انتفاء أحد المتنافیین کما یمکن أن یکون لأجل المانع مع ثبوت المقتضی له ، یمکن أن یکون لأجل انتفائه .

إلّاأن یقال: إنّ قضیّه التوفیق بینهما (1) هو : حمل کلٍّ منهما علی الحکم الاقتضائیّ لو لم یکن أحدهما أظهر ، وإلّا فخصوص الظاهر منهما .

فتلخّص: أ نّه کلّما کانت هناک دلاله علی ثبوت المقتضی فی الحکمین ، کان من مسأله الاجتماع ، وکلّما لم تکن هناک دلاله علیه ، فهو من باب التعارض مطلقاً ، إذا کانت هناک دلاله علی انتفائه فی أحدهما بلا تعیین ولو علی الجواز ، وإلّا فعلی الامتناع .

الأمر العاشر :ثمره المسأله

العاشر (2) : أ نّه لا إشکال فی سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتیان المجمع بداعی الأمر علی الجواز مطلقاً ، – ولو فی العبادات – ، وإن کان معصیهً للنهی أیضاً .

وکذا الحال علی الامتناع مع ترجیح جانب الأمر ، إلّاأ نّه لا معصیه علیه .

وأمّا علیه وترجیح جانب النهی: فیسقط به الأمر به مطلقاً فی غیر العبادات؛ لحصول الغرض الموجب له .

وأمّا فیها فلا ، مع الالتفات إلی الحرمه ، أو بدونه تقصیراً؛ فإنّه وإن کان متمکّناً – مع عدم الالتفات – من قصد القربه ، وقد قَصَدها ، إلّاأ نّه مع التقصیر

[شماره صفحه واقعی : 217]

ص: 13


1- فی نهایه الدرایه 2 : 303 : قضیه التوفیق عرفاً .
2- من هنا إلی قوله : « ضروره أ نّه لولا جعله » فی الصفحه 254 ساقط عن نسخه الأصل .

لا یصلح لأن یتقرّب به أصلاً ، فلا یقع مقرِّباً ، وبدونه لا یکاد یحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادهً ، کما لا یخفی .

وأمّا إذا لم یلتفت إلیها قصوراً ، وقد قصد القربه بإتیانه ، فالأمر یسقط ؛ لقصد التقرّب بما یصلح لأنْ (1) یتقرّب به؛ لاشتماله علی المصلحه ، مع صدوره حَسَناً؛ لأجل الجهل بحرمته قصوراً ، فیحصل به الغرض من الأمر ، فیسقط به (2) قطعاً وإن لم یکن امتثالاً له ، بناءً علی تبعیّه الأحکام لما هو الأقوی من جهات المصالح والمفاسد واقعاً ، لا لِما هو المؤثّر منها (3) فعلاً للحسن (4) أو القبح؛ لکونهما تابعین لما علم منهما ، کما حُقّق فی محلّه .

مع أ نّه یمکن أن یقال بحصول الامتثال مع ذلک؛ فإنّ العقل لا یری تفاوتاً بینه وبین سائر الأفراد فی الوفاء بغرض الطبیعه المأمور بها ، وإن لم تعمّه بما هی مأمور بها ، لکنّه لوجود المانع ، لا لعدم المقتضی .

ومن هنا انقدح : أ نّه یجزئ ولو قیل باعتبار قصد الامتثال فی صحّه العباده ، وعدمِ کفایه الإتیان بمجرّد المحبوبیّه ، کما یکون کذلک فی ضدّ الواجب ، حیث لا یکون هناک أمرٌ یُقصد أصلاً .

وبالجمله: مع الجهل – قصوراً – بالحرمه موضوعاً أو حکماً ، یکون الإتیان بالمجمع امتثالاً، وبداعی الأمر بالطبیعه لا محاله. غایه الأمر أ نّه لا یکون ممّا تَسَعه (5) بما هی مأمورٌ بها ، لو قیل بتزاحم الجهات فی مقام تأثیرها للأحکام الواقعیّه .

[شماره صفحه واقعی : 218]

ص: 14


1- أثبتنا الکلمه من « ر » ومنته الدرایه وفی غیرهما : أن .
2- أثبتنا « به » من « ق » ، « ش » وحقائق الأُصول .
3- فی « ر » : منهما .
4- الأولی : تبدیل اللام ب « فی » ( منته الدرایه 3 : 70 ) .
5- فی « ر » ، « ق » و « ش » هنا وفی المورد التالی : یسعه .

وأمّا لو قیل بعدم التزاحم إلّافی مقام فعلیّه الأحکام ، لکان ممّا تَسَعه ، وامتثالاً لأمرها بلا کلام .

وقد انقدح بذلک : الفرقُ بین ما إذا کان دلیلا الحرمه والوجوب متعارضین ، وقُدِّم دلیلُ الحرمه تخییراً أو ترجیحاً ، حیث لا یکون معه مجالٌ للصحّه أصلاً ، وبین ما إذا کانا من باب الاجتماع ، وقیل بالامتناع ، وتقدیمِ جانب الحرمه ، حیث یقع صحیحاً فی غیر موردٍ من موارد الجهل والنسیان ؛ لموافقته للغرض بل للأمر .

ومن هنا عُلم: أنّ الثواب علیه من قبیل الثواب علی الإطاعه ، لا الانقیاد ومجرّدِ اعتقاد الموافقه .

وقد ظهر بما ذکرناه : وجهُ حکم الأصحاب بصحّه الصلاه فی الدار المغصوبه مع النسیان أو الجهل بالموضوع ، بل أو الحکم ، إذا کان عن قصور ، مع أنّ الجلّ – لولا الکلّ – قائلون بالامتناع وتقدیم الحرمه ، ویحکمون بالبطلان فی غیر موارد العذر . فلتکن من ذلک علی ذُکر .

الحقّ هو :القول بالامتناع

اشاره

إذا عرفت هذه الأُمور فالحقّ هو : القول بالامتناع ، کما ذهب إلیه المشهور . وتحقیقه – علی وجهٍ یتّضح به فساد ما قیل أو یمکن أن یقال ، من وجوه الاستدلال لسائر الأقوال – یتوقّف علی :

مقدّمات الاستدلال:

اشاره

تمهید مقدّمات :

1 – تضادّ الأحکام الخمسه

إحداها : أ نّه لا ریب فی أنّ الأحکام الخمسه متضادّه فی مقام فعلیّتها ، وبلوغِها إلی مرتبه البعث والزجر؛ ضروره ثبوت المنافاه والمعانده التامّه بین البعث نحوَ واحدٍ فی زمانٍ ، والزجرِ عنه فی ذاک الزمان ، وإن لم یکن بینها

[شماره صفحه واقعی : 219]

ص: 15

مضادّه ما لم تبلغ إلی تلک المرتبه؛ لعدم المنافاه والمعانده بین وجوداتها الإنشائیّه قبل البلوغ إلیها ، کما لایخفی .

فاستحاله اجتماع الأمر والنهی فی واحد لا تکون من باب التکلیف بالمحال ، بل من جهه أ نّه بنفسه محال ، فلا یجوز عند من یجوّز التکلیف بغیر المقدور أیضاً .

2 – تعلّق الأحکام بأفعال المکلّفین لا بعناوینها

ثانیتها : أ نّه لا شبهه فی أنّ متعلّق الأحکام هو فعل المکلّف ، وما هو فی الخارج یصدر عنه ، وما هو فاعله وجاعله (1) ، لا ما هو اسمه – وهو واضح – ، ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتُزع عنه – بحیث لولا انتزاعه تصوّراً واختراعه ذهناً ، لَما کان بحذائه شیءٌ خارجاً – ویکون خارج المحمول (2) ، کالملکیّه والزوجیّه والرقیّه والحرّیّه والغصبیّه … إلی غیر ذلک من الاعتبارات والإضافات؛ ضروره أنّ البعث لیس نحوَه ، والزجرَ لا یکون عنه ، وإنّما یؤخذ فی متعلّق الأحکام آلهً للحاظ متعلّقاتها ، والإشارهِ إلیها بمقدار الغرض منها والحاجهِ إلیها ، لا بما هو هو وبنفسه ، وعلی استقلاله وحیاله .

3 تعدّد العنوان لا یوجب تعدّدَ المعنون وجوداً

ثالثتها : انّه لا یوجب تعدُّدُ الوجه والعنوان تعدُّدَ المعنون ، ولا ینثلم به وحدتُه؛ فإنّ المفاهیم المتعدّده والعناوین الکثیره ربما تنطبق علی الواحد ، وتصدق علی الفارد الّذی لا کثره فیه من جههٍ ، بل بسیطٌ من جمیع الجهات ، لیس فیه « حیثٌ » غیر « حیثٍ » ، وجههٌ مغایره لجههٍ أصلاً ، کالواجب – تبارک وتعالی – ، فهو علی بساطته و وحدته وأحدیّته ، تصدق علیه مفاهیم الصفات

[شماره صفحه واقعی : 220]

ص: 16


1- أثبتنا العباره من « ر » . وفی غیرها : وهو فاعله وجاعله .
2- کذا ، والأوفق بمعنی الاصطلاح : الخارج المحمول .

الجلالیّه والجمالیّه ، له الأسماء الحسنی والأمثال العلیا ، لکنّها بأجمعها حاکیه عن ذاک (1) الواحد الفرد الأحد . عباراتنا شتّی وحُسنک واحدٌ وکلٌّ إلی ذاک الجمال یشیر

4 – الواحدوجوداً واحدٌ ماهیّهً

رابعتها : انّه لا یکاد یکون للموجود بوجودٍ واحد ، إلّاماهیّهً واحده وحقیقهً فارده ، لا یقع فی جواب السؤال عن حقیقته بما هو إلّاتلک الماهیّه ، فالمفهومان المتصادقان علی ذاک لا یکاد یکون کلٌّ منهما ماهیّهً وحقیقه ، وکانت (2) عینَه فی الخارج ، کما هو شأن الطبیعیّ وفرده ، فیکون الواحد وجوداً ، واحداً ماهیّهً وذاتاً لا محاله ، فالمجمع وإن تصادق علیه متعلّقا الأمر والنهی ، إلّاأ نّه کما یکون واحداً وجوداً ، یکون واحداً ماهیّهً وذاتاً ، ولا یتفاوت فیه القول بأصاله الوجود أو أصاله الماهیّه .

مناقشه ماأفاده فی الفصول فی ابتناء المسأله

ومنه ظهر : عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع فی المسأله علی القولین فی تلک المسأله ، کما توهّم فی الفصول (3) .

کما ظهر : عدم الابتناء علی تعدّد وجود الجنس والفصل فی الخارج ، وعدمِ تعدّده (4) ؛ ضرورهَ عدم کون العنوانین المتصادقین علیه من قبیل الجنس

[شماره صفحه واقعی : 221]

ص: 17


1- فی « ر » ومنته الدرایه : ذلک .
2- الأولی : إسقاطه ( کانت ) لیکون « عینه » معطوفاً علی « ماهیه » یعنی : ولا یکاد کل من المفهومین ماهیه وعینه فی الخارج ، أو تبدیل « کانت » ب « تکون » لیصیر معطوفاً علی « یکون » . ( منته الدرایه 3 : 181 ) .
3- راجع الفصول : 126 .
4- المصدر السابق ، وصریح عبارته هو ابتناء الدلیل الأول ( الذی ذکره ) للامتناع علی الأصلین : أصاله الوجود واتحاد الجنس والفصل ، لا ابتناء الخلاف فی المسأله علیهما . ومن هنا قال بعد ذلک : ولنا أن نقرّر الدلیل علی وجه لا یبتنی علی هذا الأصل ، یعنی الأصل الثانی ، فلاحظ . ( حقائق الأُصول 1 : 372 ) وراجع کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 138 .

والفصل له ، وأنّ (1) مثل الحرکه فی دار – من أیّ مقوله کانت – لا تکاد تختلف (2) حقیقتها وماهیّتها وتتخلّف (3) ذاتیّاتها ، وقعت جزءً للصلاه ، أو لا ، کانت تلک الدار مغصوبهً ، أو لا (4)* .

إذا عرفت ما مهّدناه عرفت:

تقریر دلیل الامتناع

أنّ المجمع حیث کان واحداً وجوداً وذاتاً ، کان تعلّق الأمر والنهی به محالاً ولو کان تعلّقهما به بعنوانین؛ لما عرفت من کون فعل المکلّف – بحقیقته وواقعیّته الصادره عنه – متعلّقاً للأحکام ، لا بعناوینه الطارئه علیه .

إشاره إلی دلیل الجواز والجواب عنه

وأنّ غائله اجتماع الضدّین فیه لاتکاد ترتفع بکون الأحکام تتعلّق بالطبائع لا الأفراد (5) ؛ فإنّ غایه تقریبه (6) أن یقال:

[شماره صفحه واقعی : 222]

ص: 18


1- فی « ر » : من قبیل تصادق الجنس والفصل وأنّ .
2- فی غیر « ر » : لا یکاد یختلف .
3- فی غیر « ر » : یتخلّف .
4- (*) وقد عرفت : أنّ صدق العناوین المتعدّده لا تکاد تنثلم به وحده المعنون ، لا ذاتاً ولا وجوداً ، غایته أن تکون له خصوصیّهٌ بها یستحقّ الاتّصاف بها ، ومحدوداً بحدودٍ موجبه لانطباقها علیه کما لا یخفی . وحدوده ومختصّاته لا توجب تعدّده بوجهٍ أصلاً ، فتدبّر جیّداً . ( منه قدس سره ) .
5- إشاره إلی الجزء الأول من الدلیل الأول الذی ذکره المحقّق القمّی علی الجواز . ( القوانین 1 : 140 ) . وقال فی مطارح الأنظار 2 : 677 – بشأن الدلیل – وقد سلک هذا المسلک غیر واحد من المجوّزین ، وأوضحه المحقّق القمّی .
6- ورد هذا التقریب باختلاف یسیر فی الفصول : 125 .

إنّ الطبائع من حیث هی هی وإن کانت لیست إلّاهی ، ولا تتعلّق بها الأحکام الشرعیّه – کالآثار العادیّه والعقلیّه – ، إلّاأ نّها مقیّدهً بالوجود – بحیث کان القید خارجاً والتقیّد داخلاً – صالحهٌ لتعلُّقِ الأحکام بها .

ومتعلّقا الأمر والنهی علی هذا لا یکونان متّحدین أصلاً ، لا فی مقام تعلّق البعث والزجر ، ولا فی مقام عصیان النهی وإطاعه الأمر بإتیان المجمع بسوء الاختیار :

أمّا فی المقام الأوّل: فلتعدّدهما بما هما متعلّقان لهما ، وإن کانا متّحدین فی ما هو خارج عنهما بما هما کذلک .

وأمّا فی المقام الثانی: فلسقوط أحدهما بالإطاعه ، والآخر بالعصیان بمجرّد الإتیان ، ففی أیّ مقام اجتمع الحکمان فی واحد ؟

وأنت خبیر: بأ نّه لا یکاد یُجدی بعد ما عرفت من أنّ تعدّد العنوان لا یوجب تعدّد المعنون ، لا وجوداً ولا ماهیّهً ، ولا تنثلم به وحدتُه أصلاً ، وأنّ المتعلّق للأحکام هو المعنونات لا العنوانات ، وأ نّها إنّما تؤخذ فی المتعلّقات بما هی حاکیات – کالعبارات – ، لا بما هی علی حیالها واستقلالها .

إشاره إلی دلیل آخر علی الجواز والجواب عنه

کما ظهر ممّا حقّقناه: أ نّه لا یکاد یُجدی أیضاً کون الفرد مقدّمهً لوجود الطبیعیّ المأمور به أو المنهیّ عنه (1) ، وأ نّه لا ضیر فی کون المقدّمه محرّمهً فی صوره عدم الانحصار بسوء الاختیار (2)؛ وذلک – مضافاً إلی

[شماره صفحه واقعی : 223]

ص: 19


1- إشاره إلی الجزء الثانی من الدلیل الأول للمحقّق القمّی . راجع القوانین 1 : 141 .
2- أیضاً إشاره إلی کلام آخر للمحقّق القمّی ، راجع المصدر : 141 . لکنّه لم یقیّد الانحصار بسوء الاختیار ، کما قیّده المصنّف هنا . أُنظر عنایه الأُصول 2 : 68 .

وضوح فساده ، وأنّ الفرد هو عین الطبیعیّ فی الخارج ، کیف ؟ والمقدّمیّه تقتضی الإثنینیّه بحسب الوجود ، ولا تعدُّدَ کما هو واضح – أ نّه إنّما یُجدی لو لم یکن المجمع واحداً ماهیّهً ، وقد عرفت – بما لا مزید علیه – أ نّه بحسبها أیضاً واحد .

أدلّه القول بجواز الاجتماع:

اشاره

ثمّ إنّه قد استدلّ علی الجواز (1) بأُمور :

الدلیل الأول :الوقوع

اشاره

منها: أ نّه لو لم یجز اجتماع الأمر والنهی لما وقع نظیرُه ، وقد وقع ، کما فی العبادات المکروهه ، کالصلاه فی مواضع التُّهمه وفی الحمّام ، والصیام فی السفر وفی بعض الأیّام .

بیان الملازمه: أ نّه لو لم یکن تعدّد الجهه مجدیاً فی إمکان اجتماعهما ، لما جاز اجتماع حکمین آخرین فی موردٍ مع تعدّدها؛ لعدم اختصاصهما من بین الأحکام بما یوجب الامتناع من التضادّ؛ بداههَ تضادّها بأسرها ، والتالی باطلٌ؛ لوقوع اجتماع الکراهه والإیجاب أو الاستحباب فی مثل الصلاه فی الحمّام ، والصیام فی السفر وفی عاشوراء – ولو فی الحضر – ، واجتماعِ الوجوب أو الاستحباب مع الإباحه أو الاستحباب فی مثل الصلاه فی المسجد أو الدار (2) .

والجواب عنه:

الجواب عنه إجمالاً

أمّا إجمالاً: فبأ نّه لابدّ من التصرّف والتأویل فی ما وقع فی الشریعه ممّا ظاهره الاجتماع ، بعدَ قیام الدلیل علی الامتناع؛ ضرورهَ أنّ الظهور

[شماره صفحه واقعی : 224]

ص: 20


1- حقّ العباره أن تکون هکذا : ثمّ إنه قد استدلّ علی الجواز – مضافاً إلی الوجهین المزبورین – بأُمور أُخر .. ( منته الدرایه 3 : 102 ) .
2- الدلیل وتقریبه مذکوران فی القوانین 1 : 142 – 143 .

لا یصادم البرهان .

مع أنّ قضیّه ظهور تلک الموارد : اجتماعُ الحکمین فیها بعنوانٍ واحد ، ولا یقول الخصم بجوازه کذلک ، بل بالامتناع ما لم یکن بعنوانین وبوجهین .

فهو أیضاً لابدّ له من التفصّی عن إشکال الاجتماع فیها ، لا سیّما إذا لم یکن هناک مندوحه ، کما فی العبادات المکروهه الّتی لا بدل لها ، فلا یبقی له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فیها علی جوازه أصلاً ، کما لا یخفی .

الجواب عنه تفصیلاً

وأمّا تفصیلاً: فقد اجیب عنه بوجوه ، یوجب ذکرها – بما فیها من النقض والإبرام – طولَ الکلام بما لا یسعه المقام .

فالأولی : الاقتصار علی ما هو التحقیق فی حَسْم مادّه الإشکال ، فیقال – وعلی اللّٰه الاتّکال – :

أقسام العبادات المکروهه

إنّ العبادات المکروهه علی ثلاثه أقسام:

أحدها: ما تعلّق به النهی بعنوانه وذاته ، ولا بدل له ، کصوم یوم عاشوراء ، والنوافل المبتدأه فی بعض الأوقات .

ثانیها: ما تعلّقَ به النهی کذلک ، ویکون له البدل ، کالنهی عن الصلاه فی الحمّام .

ثالثها: ما تعلّق النهی به لا بذاته ، بل بما هو مجامع معه وجوداً ، أو ملازمٌ له خارجاً ، کالصلاه فی مواضع التُّهمه ، بناءً علی کون النهی عنها لأجل اتّحادها مع الکون فی مواضعها .

تحقیق الکلام فی القسم الأول

أمّا القسم الأوّل: فالنهی تنزیهاً عنه – بعد الإجماع علی أ نّه یقع صحیحاً (1)،

[شماره صفحه واقعی : 225]

ص: 21


1- راجع جواهر الکلام 17 : 105 .

ومع ذلک یکون ترکه أرجح ، کما یظهر من مداومه الأئمّه علیهم السلام علی الترک (1) – :

إمّا لأجل انطباق عنوانٍ ذی مصلحهٍ (2) علی الترک ، فیکون الترک – کالفعل – ذا مصلحهٍ موافقهٍ للغرض ، وإن کان مصلحه الترک أکثر ، فهما حینئذٍ یکونان من قبیل المستحبّین المتزاحمین ، فیحکم بالتخییر بینهما لو لم یکن أهمّ فی البین ، وإلّا فیتعیّن الأهمّ ، وإن کان الآخر یقع صحیحاً ؛ حیث إنّه کان راجحاً وموافقاً للغرض ، کما هو الحال فی سائر المستحبّات المتزاحمات ، بل الواجبات .

وأرجحیّه الترک من الفعل لا توجب حزازه ومنقصه فیه أصلاً (3)* ، کما یوجبها ما إذا کان فیه مفسدهً غالبهً علی مصلحته ، ولذا لا یقع صحیحاً علی

[شماره صفحه واقعی : 226]

ص: 22


1- وسائل الشیعه 10 : 457 ، باب استحباب صوم یوم التاسع والعاشر من المحرم حزناً .
2- فی نهایه الدرایه 2 : 330 : « راجح » بدل : ذی مصلحه .
3- (*) ربّما یقال: إنّ أرجحیّه الترک وإن لم توجب منقصهً وحزازه فی الفعل أصلاً ، إلّاأ نّه توجب المنع منه فعلاً ، والبعث إلی الترک قطعاً ، کما لا یخفی . ولذا کان ضدّ الواجب – بناءً علی کونه مقدّمهً له – حراماً ، ویفسد لو کان عباده . مع أ نّه لا حزازه فی فعله ، وإنّما کان النهی عنه وطلب ترکه لما فیه من المقدّمیّه له ، وهو علی ما هو علیه من المصلحه ، فالمنع عنه لذلک کافٍ فی فساده لو کان عباده . قلت: یمکن أن یقال: إنّ النهی التحریمیّ لذلک وإن کان کافیاً فی ذلک بلا إشکالٍ ، إلّاأنّ التنزیهیّ غیر کافٍ ، إلّاإذا کان عن حزازه فیه؛ وذلک لبداهه عدم قابلیّه الفعل للتقرّب به منه – تعالی – مع المنع عنه وعدم ترخیصه فی ارتکابه . بخلاف التنزیهیّ عنه إذا کان لا لحزازه فیه ، بل لما فی الترک من المصلحه الراجحه ، حیث إنّه معه مرخّص فیه ، وهو علی ما هو علیه من الرجحان والمحبوبیّه له – تعالی – ، ولذلک لم تفسد العباده إذا کانت ضدّاً لمستحبّه أهمّ اتّفاقاً ، فتأمّل . ( منه قدس سره ) .

الامتناع؛ فإنّ الحزازه والمنقصه فیه مانعه عن صلاحیّه التقرّب به ، بخلاف المقام ، فإنّه علی ما هو علیه من الرجحان وموافقهِ الغرض – کما إذا لم یکن ترکه راجحاً – بلا حدوثِ حزازهٍ فیه أصلاً .

وإمّا لأجل ملازمه الترک لعنوانٍ کذلک من دون انطباقه علیه ، فیکون کما إذا انطبق علیه من غیر تفاوت ، إلّافی أنّ الطلب المتعلّق به حینئذٍ لیس بحقیقیٍّ ، بل بالعرَض والمجاز ، فإنّما یکون فی الحقیقه متعلّقاً بما یلازمه من العنوان . بخلاف صوره الانطباق ؛ لتعلّقه به حقیقهً ، کما فی سائر المکروهات من غیر فرق ، إلّاأنّ منشأه فیها حزازهٌ ومنقصه فی نفس الفعل ، وفیه رجحان فی الترک ، من دون حزازه فی الفعل أصلاً ، غایه الأمر کون الترک أرجح .

نعم ، یمکن أن یحمل النهی – فی کلا القسمین – علی الإرشاد إلی الترک الّذی هو أرجح من الفعل ، أو ملازمٌ لما هو الأرجح وأکثر ثواباً لذلک ، وعلیه یکون النهی علی نحو الحقیقه ، لا بالعرض والمجاز ، فلا تغفل .

تحقیق الکلام فی القسم الثانی

وأمّا القسم الثانی: فالنهی فیه یمکن أن یکون لأجل ما ذُکر فی القسم الأوّل طابق النعل بالنعل .

کما یمکن أن یکون بسبب حصول منقصه فی الطبیعه المأمور بها ، لأجل تشخُّصها فی هذا القسم بمشخِّص غیرِ ملائم لها ، کما فی الصلاه فی الحمّام؛ فإنّ تشخّصها بتشخّص وقوعها فیه لا یناسب کونَها معراجاً ، وإن لم یکن نفسُ الکون فی الحمّام بمکروهٍ ، ولا حزازه فیه أصلاً ، بل کان راجحاً کما لا یخفی .

وربما یحصل لها – لأجل تخصّصها بخصوصیّه شدیده الملائمه معها – مزیّهٌ فیها ، کما فی الصلاه فی المسجد والأمکنه الشریفه؛ وذلک لأنّ الطبیعه المأمور

[شماره صفحه واقعی : 227]

ص: 23

بها فی حدّ نفسها – إذا کانت (1) مع تشخُّصٍ لا تکون له شدّهُ الملائمه ، ولا عدم الملائمه – لها مقدارٌ من المصلحه والمزیّه ، کالصلاه فی الدار – مثلاً – ، وتزداد تلک المزیّه فی ما کان تشخّصها بما لَه شدّه الملائمه ، وتنقص فی ما إذا لم تکن له ملائمه . ولذلک ینقص ثوابها تارهً ، ویزید أُخری . ویکون النهی فیه – لحدوث نقصانٍ فی مزیّتها فیه – إرشاداً إلی ما لا نقصان فیه من سائر الأفراد ، ویکون أکثر ثواباً منه .

ولْیکن هذا (2) مراد من قال: إنّ الکراهه فی العباده بمعنی أ نّها تکون أقلّ ثواباً .

ولا یردّ علیه : بلزوم اتّصاف العباده الّتی تکون أقلّ ثواباً من الاُخری بالکراهه (3) ، ولزومِ اتّصاف ما لا مزیّه فیه ولا منقصه بالاستحباب؛ لأنّه أکثر ثواباً ممّا فیه المنقصه .

لما عرفت من أنّ المراد من کونه أقلَّ ثواباً ، إنّما هو بقیاسه إلی نفس الطبیعه المتشخّصه ، بما لا یحدث معه مزیّه لها ولا منقصه من المشخّصات ، وکذا کونه أکثرَ ثواباً .

ولا یخفی: أنّ النهی فی هذا القسم لا یصحّ إلّاللإرشاد ، بخلاف القسم الأوّل ، فإنّه یکون فیه مولویّاً ، وإن کان حمله علی الإرشاد بمکانٍ من الإمکان .

[شماره صفحه واقعی : 228]

ص: 24


1- فی « ق » و « ش » : کان . یلاحظ منته الدرایه 3 : 122 .
2- فی « ر » : ولعلّ هذا .
3- هذا الإیراد ذکره صاحب الفصول فی فصوله : 131 وتعرّض له المحقّق القمّی واعترف بعدم وروده ، کما ذکره الشیخ الأعظم – علی ما فی تقریراته – ثمّ أجاب عنه . راجع القوانین 1: 143 ، ومطارح الأنظار 1 : 636 – 637 .
تحقیق الکلام فی القسم الثالث

وأمّا القسم الثالث: فیمکن أن یکون النهی فیه عن العباده – المتّحده مع ذاک العنوان ، أو الملازمهِ له – بالعرض والمجاز ، وکان المنهیّ عنه به حقیقهً ذاک العنوان .

ویمکن أن یکون – علی الحقیقه – إرشاداً إلی غیرها من سائر الأفراد ، ممّا لا یکون متّحداً معه أو ملازماً له؛ إذ المفروض : التمکّن من استیفاء مزیّه العباده بلا ابتلاءٍ بحزازهِ ذاک العنوان أصلاً .

هذا علی القول بجواز الاجتماع .

وأمّا علی الامتناع : فکذلک فی صوره الملازمه . وأمّا فی صوره الاتّحاد وترجیح جانب الأمر – کما هو المفروض ، حیث إنّه صحّه العباده – فیکون حال النهی فیه حاله فی القسم الثانی ، فیحمل علی ما حُمِل علیه فیه ، طابق النعل بالنعل ، حیث إنّه بالدقّه یرجع إلیه؛ إذ علی الامتناع لیس الاتّحاد مع العنوان الآخر إلّامن مخصِّصاته ومشخِّصاته ، الّتی تختلف الطبیعه المأمور بها فی المزیّه – زیادهً ونقیصهً – بحسب اختلافها فی الملائمه ، کما عرفت .

وقد انقدح بما ذکرناه: أ نّه لا مجال أصلاً لتفسیر الکراهه فی العباده بأقلّیّه الثواب فی القسم الأوّل مطلقاً ، وفی هذا القسم علی القول بالجواز .

کما انقدح حالُ اجتماع الوجوب والاستحباب فیها ، وأنّ الأمر الاستحبابیّ یکون علی نحو الإرشاد إلی أفضل الأفراد مطلقاً علی نحو الحقیقه ، و مولویّاً اقتضائیّاً کذلک ، وفعلیّاً بالعرض والمجاز فی ما کان ملاکه ملازمتها لما هو مستحبّ ، أو متّحد معه (1) علی القول بالجواز .

[شماره صفحه واقعی : 229]

ص: 25


1- فی مصحّح « ن » : أو متحده معه . قال فی منته الدرایه 3 : 227 : العباره لا تخلو عن اضطراب ؛ لأنّ قوله : « متحد » معطوف علی « ملازمتها » لیکون المراد به مولویه الأمر الندبی اقتضاءً حقیقه ، کی یصیر مثالاً لقوله : « ومولویاً اقتضائیاً کذلک » فالصواب حینئذ : تبدیل « متحد » ب « اتحاد » . والحاصل : أنّ حقّ العباره أن تکون هکذا : وفعلیاً بالعرض والمجاز ، فی ما کان ملاکه ملازمتها أو اتحادها مع ما هو مستحب .

ولا یخفی: أ نّه لایکاد یأتی القسم الأوّل هاهنا (1)؛ فإنّ انطباق عنوان راجح علی الفعل الواجب الّذی لا بدل له إنّما یؤکّد إیجابه ، لا أ نّه یوجب استحبابه أصلاً ، ولو بالعرض والمجاز ، إلّاعلی القول بالجواز . وکذا فی ما إذا لازَمَ مثلَ هذا العنوان ، فإنّه لو لم یؤکّد الإیجاب لما یصحَّح (2) الاستحباب إلّااقتضائیّاً بالعرض والمجاز . فتفطّن .

الدلیل الثانی علی جواز الاجتماع والجواب عنه

اشاره

ومنها: أنّ أهل العرف یعدّون من أتی بالمأمور به فی ضمن الفرد المحرّم ، مطیعاً وعاصیاً من وجهین ، فإذا أمر المولی عبده بخیاطه ثوب ، ونهاه عن الکون فی مکان خاصّ – کما مثّل به الحاجبیّ والعضدیّ (3) – فلو خاطه فی ذاک المکان ، عُدَّ مطیعاً لأمر الخیاطه ، وعاصیاً للنهی عن الکون فی ذلک المکان (4) .

وفیه: – مضافاً إلی المناقشه فی المثال بأ نّه لیس من باب الاجتماع؛ ضرورهَ أنّ الکون المنهیّ عنه غیرُ متّحد مع الخیاطه وجوداً أصلاً ، کما لا یخفی – المنعُ إلّا عن صدق أحدهما: إمّا الإطاعه بمعنی الامتثال فی ما غلب جانب الأمر ، أو العصیان فی ما غلب جانب النهی؛ لما عرفت من البرهان علی الامتناع .

[شماره صفحه واقعی : 230]

ص: 26


1- الظاهر : أ نّه حُذف هنا جمله : « ما ذکر » ، فالصواب أن یقال : لا یکاد یأتی ما ذکر فی القسم الأول هاهنا . ( منته الدرایه 3 : 136 ) .
2- فی « ش » : « لما یصحّ » . ولعلّ الأنسب : لم یصحّ .
3- شرح العضدی علی مختصر الحاجبی 1 : 92 – 93 .
4- راجع القوانین 1 : 148 .

نعم ، لا بأس بصدق الإطاعه – بمعنی حصول الغرض – والعصیانِ فی التوصّلیّات . وأمّا فی العبادات فلا یکاد یحصل الغرض منها إلّافی ما صدر من المکلّف فعلاً غیر محرّم وغیر مبغوض علیه ، کما تقدّم (1) .

القول بالجواز عقلاً والامتناع عرفاً والمناقشه فیه

بقی الکلام فی حال التفصیل من بعض الأعلام ، والقول بالجواز عقلاً ، والامتناع عرفاً (2) .

وفیه: أ نّه لا سبیل للعرف فی الحکم بالجواز أو الامتناع إلّاطریق العقل ، فلا معنی لهذا التفصیل إلّاما أشرنا إلیه من النظر المسامحیّ غیر المبتنی علی التدقیق والتحقیق . وأنت خبیر بعدم العبره به ، بعد الإطّلاع علی خلافه بالنظر الدقیق .

وقد عرفت فی ما تقدّم (3) : أنّ النزاع لیس فی خصوص مدلول صیغه الأمر والنهی ، بل فی الأعمّ ، فلا مجال لأن یتوهّم أنّ العرف هو المحکّم فی تعیین المدالیل ، ولعلّه کان بین مدلولیهما – حسب تعیینه – تنافٍ لا یجتمعان فی واحد ولو بعنوانین ، وإن کان العقل یری جواز اجتماع الوجوب والحرمه فی واحد بوجهین ، فتدبّر .

[شماره صفحه واقعی : 231]

ص: 27


1- فی الأمر العاشر من مقدّمات هذا الفصل .
2- قال فی مطارح الأنظار 1 : 611 : نسبه بعضهم إلی الأردبیلی فی شرح الإرشاد ( مجمع الفائده والبرهان 2 : 110 – 112 ) . ثمّ أنکر هذه الاستفاده من کلامه وقال : وقد یُنسب ذلک إلی فاضل الریاض ، وکأ نّه مسموع منه شفاهاً . وقال فی موردٍ آخر ( مطارح الأنظار 1 : 695 ) : ویظهر ذلک من سلطان المحقّقین أیضاً فی تعلیقاته علی المعالم ، والمحقّق القمّی .
3- فی الأمر الرابع من مقدّمات هذا الفصل .

وینبغی التنبیه علی أُمور:

تنبیهات المسأله :

التنبیه الأول :مناط الاضطرار الرافع للحرمه

اشاره

الأوّل: إنّ الاضطرار إلی ارتکاب الحرام وإن کان یوجب ارتفاعَ حرمته والعقوبهِ علیه ، مع بقاء ملاک وجوبه – لو کان – مؤثّراً له ، کما إذا لم یکن بحرام بلا کلام، إلّاأ نّه إذا لم یکن الاضطرار إلیه بسوء الاختیار ، – بأن یختار ما یؤدّی إلیه لا محاله – ، فإنّ الخطاب بالزجر عنه حینئذٍ وإن کان ساقطاً ، إلّاأ نّه حیث یصدر عنه مبغوضاً علیه ، وعصیاناً لذاک الخطاب ، ومستحقّاً علیه العقاب ، لا یصلح لأن یتعلّق به الإیجاب . وهذا فی الجمله ممّا لا شبهه فیه ولا ارتیاب .

حکم الاضطرار بسوء الاختیار بناءً علی الامتناع

وإنّما الإشکال فی ما إذا کان ما اضطُرَّ إلیه بسوء اختیاره ، ممّا ینحصر به التخلّص عن محذور الحرام – کالخروج عن الدار المغصوبه فی ما إذا توسّطها بالاختیار – فی کونه منهیّاً عنه ، أو مأموراً به ، مع جریان حکم المعصیه علیه (1) أو بدونه (2) ، فیه أقوال .

هذا علی الامتناع .

حکم الاضطرار بسوء الاختیاربناءً علی الجواز :
اشاره

وأمّا علی القول بالجواز:

1 – مختار أبی هاشم والمحقّق القمّی

فعن أبی هاشم: أ نّه مأمور به ومنهیّ عنه (3) . واختاره الفاضل القمّیّ ،

[شماره صفحه واقعی : 232]

ص: 28


1- وهو مختار الفصول : 138 ، ونسبه فی القوانین 1 : 153 إلی الفخر الرازی .
2- وهذا ما اختاره الشیخ الأعظم الأنصاری علی ما فی مطارح الأنظار 1 : 709 ، واستظهره من کلمات الفقهاء أیضاً .
3- نقله عنه العلامه فی نهایه الوصول : 117 والعضدی فی شرح المختصر : 94 . وقال المحقّق الرشتی ( شرح کفایه الأُصول 1 : 236 ) : أقول : فی النسبه منع ، وجهه : أن صاحب الجواهر قال – فی مسأله الصلاه فی المکان المغصوب التی قد أفتی المحقّق بصحّه الصلاه فی ضیق الوقت فی حال الخروج – : لکن عن أبی هاشم أنّ الخروج أیضاً تصرّف فی المغصوب ، فیکون معصیه ، فلا تصحّ الصلاه حینئذ وهو خارج ، سواءٌ تضیّق الوقت أم لا ( جواهر الکلام 8 : 294 ) . وهو کما تری صریح فی أنّ أبی هاشم لم یقل بصحّه الصلاه المزبوره ، ولو کان قائلاً فی مسأله الاجتماع بالجواز ؛ لأنّ القول بالجواز من الجهتین لا یستلزم صحّه الصلاه ؛ لعدم تعدّد الجهه عنده .

ناسباً له إلی أکثر المتأخّرین وظاهرِ الفقهاء (1) .

2 – مختار المصنف

والحقّ : أ نّه منهیٌّ عنه بالنهی السابق الساقط بحدوث الاضطرار إلیه ، وعصیانٌ له بسوء الاختیار . ولا یکاد یکون مأموراً به – کما إذا لم یکن هناک توقّف علیه (2)* ، أو بلا انحصارٍ به – ؛ وذلک ضروره أ نّه حیث کان قادراً علی ترک الحرام رأساً ، لا یکون عقلاً معذوراً فی مخالفته فی ما اضطرّ إلی ارتکابه بسوء اختیاره ، ویکون معاقباً علیه – کما إذا کان ذلک بلا توقّف علیه ، أو مع عدم الانحصار به – .

ولا یکاد یُجدی توقّف انحصار التخلّص عن الحرام به (3)؛ لکونه بسوء الاختیار .

[شماره صفحه واقعی : 233]

ص: 29


1- القوانین 1 : 153 .
2- (*) لا یخفی : أ نّه لا توقّف هاهنا حقیقهً؛ بداههَ أنّ الخروج إنّما هو مقدّمه للکون فی خارج الدار ، لا مقدّمه لترک الکون فیها الواجب ؛ لکونه ترک الحرام . نعم ، بینهما ملازمه ، لأجل التضادّ بین الکونین ، ووضوح الملازمه بین وجود الشیء وعدم ضدّه ، فیجب الکون فی خارج الدار عَرَضاً ؛ لوجوب ملازمه حقیقهً ، فتجب مقدّمته کذلک . وهذا هو الوجه فی المماشاه والجری علی أنّ مثل الخروج یکون مقدّمه لما هو الواجب من ترک الحرام ، فافهم . ( منه قدس سره ) .
3- تعریض بالشیخ الأعظم الأنصاری ، حیث استدلّ علی کون الخروج مأموراً به ب : أنّ التخلّص عن الغصب واجب ، ولا سبیل إلی التخلّص إلّابالخروج . راجع مطارح الأنظار 1 : 709 .

إن قلت: کیف لا یجدیه ، ومقدّمه الواجب واجبه ؟

قلت: إنّما تجب المقدّمه لو لم تکن محرّمه ، ولذا لا یترشّح الوجوب من الواجب إلّاعلی ما هو المباح من المقدّمات ، دون المحرّمه ، مع اشتراکهما فی المقدّمیّه .

وإطلاق الوجوب (1) بحیث ربما یترشّح منه الوجوب علیها مع انحصار المقدّمه بها ، إنّما هو فی ما إذا کان الواجب أهمَّ من ترک المقدّمه المحرّمه ، والمفروض هاهنا وإن کان ذلک ، إلّاأ نّه کان بسوء الاختیار ، ومعه لا یتغیّر عمّا هو علیه من الحرمه والمبغوضیّه ، وإلّا لکانت الحرمه معلّقهً علی إراده المکلّف واختیاره لغیره ، وعدمُ حرمته مع (2) اختیاره له ، وهو کما تری ، مع أ نّه خلاف الفرض ، وأنّ الاضطرار یکون بسوء الاختیار .

3 – مختار الشیخ الأنصاریّ
اشاره

إن قلت: إنّ التصرّف فی أرض الغیر بدون إذنه بالدخول والبقاء حرامٌ بلا إشکال ولا کلام . وأمّا التصرّف بالخروج الّذی یترتّب علیه رفع الظلم ، ویتوقّف علیه التخلّص عن التصرّف الحرام ، فهو لیس بحرام فی حالٍ من الحالات ، بل حاله مثل حال (3) شرب الخمر ، المتوقّف علیه النجاه من الهلاک ، فی الاتّصاف بالوجوب فی جمیع الأوقات .

ومنه ظهر المنع عن کون جمیع أنحاء التصرّف فی أرض الغیر – مثلاً – حراماً قبل الدخول ، وأ نّه یتمکّن من ترک الجمیع حتّی الخروج؛ وذلک لأنّه

[شماره صفحه واقعی : 234]

ص: 30


1- فی « ر » : وإطلاق الوجوب وأهمیّه الواجب .
2- الظاهر : کون کلمه « مع » غلطاً ، وحقّ العباره أن یقال : علی اختیاره له ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 169 ) ، وراجع منته الدرایه 3 : 155 .
3- أثبتنا العباره من « ر » ، « ق » ، « ش » وفی غیرها : بل حاله حال مثل .

لو لم یدخل لما کان متمکّناً من الخروج وترکِه . وترکُ الخروج بترک الدخول رأساً لیس فی الحقیقه إلّاترک الدخول . فمن لم یشرب الخمر ؛ لعدم وقوعه فی المهلکه الّتی یعالجها به – مثلاً – لم یصدق علیه إلّا: أ نّه لم یقع فی المهلکه ، لا : أ نّه ما شرب الخمر فیها ، إلّاعلی نحو السالبه المنتفیه بانتفاء الموضوع ، کما لا یخفی .

وبالجمله: لا یکون الخروج – بملاحظه کونه مصداقاً للتخلّص عن الحرام أو سبباً له – إلّامطلوباً ، ویستحیل أن یتّصف بغیر المحبوبیّه ، ویحکم علیه بغیر المطلوبیّه .

قلت: هذا غایه ما یمکن أن یقال فی تقریب الاستدلال علی کون ما انحصر به التخلّص مأموراً به . وهو موافق لما أفاده شیخنا العلّامه أعلی اللّٰه مقامه – علی ما فی تقریرات بعض الأجلّه (1) – .

الإشکال فی ما أفاده الشیخ الأنصاری

لکنّه لا یخفی : أنّ ما به التخلّص عن فعل الحرام أو ترک الواجب ، إنّما یکون حَسَناً عقلاً ، ومطلوباً شرعاً بالفعل – وإن کان قبیحاً ذاتاً – إذا لم یتمکّن المکلّف من التخلّص بدونه ، ولم یقع بسوء اختیاره : إمّا (2) فی الاقتحام فی ترک الواجب ، أو فعلِ الحرام ، وإمّا فی (3) الإقدام علی ما هو قبیح وحرام ، لولا أنّ به (4) التخلّص بلا کلامٍ ، کما هو المفروض فی المقام؛ ضروره تمکّنه منه قبل اقتحامه فیه بسوء اختیاره .

[شماره صفحه واقعی : 235]

ص: 31


1- مطارح الأنظار 1 : 709 .
2- شطب علی « إمّا » فی « ق » .
3- شطب علی « إمّا فی » فی « ق » .
4- فی « ق » و « ش » : لولا به .

وبالجمله : کان قبل ذلک متمکّناً من التصرّف خروجاً ، کما یتمکّن منه دخولاً ، غایه الأمر یتمکّن منه بلا واسطه ، ومنه بالواسطه . ومجرّدُ عدم التمکّن منه إلّابواسطهٍ لا یُخرجه عن کونه مقدوراً ، کما هو الحال فی البقاء ، فکما یکون ترکه مطلوباً فی جمیع الأوقات ، فکذلک الخروج ، مع أ نّه مثله فی الفرعیّه علی الدخول ، فکما لا تکون الفرعیّه مانعهً عن مطلوبیّته قبلَه وبعدَه ، کذلک لم تکن مانعهً عن مطلوبیّته ، وإن کان العقل یحکم بلزومه ، إرشاداً إلی اختیار أقلّ المحذورین وأَخفّ القبیحین .

حکم شرب الخمر علاجاً

ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجاً وتخلّصاً عن المهلکه ، وأ نّه إنّما یکون مطلوباً علی کلّ حالٍ لو لم یکن الاضطرار إلیه بسوء الاختیار ، وإلّا فهو علی ما هو علیه من الحرمه ، وإن کان العقل یُلزمه ، إرشاداً إلی ما هو أهمّ وأولی بالرعایه من ترکه؛ لکون الغرض فیه أعظم .

فمن تَرَکَ الاقتحام فی ما یؤدّی إلی هلاک النفس ، أو شَربَ الخمر لئلّا یقع فی أشدّ المحذورین منهما ، فیصدق (1) أ نّه تَرَکَهما ، ولو بترکه ما لو فَعَلَه لأدّی – لا محاله – إلی أحدهما ، کسائر الأفعال التولیدیّه (2) ، حیث یکون العمدُ إلیها بالعمد إلی أسبابها ، واختیارُ ترکها بعدم العمد إلی الأسباب ، وهذا یکفی فی استحقاق العقاب علی الشرب للعلاج ، وإن کان لازماً عقلاً ، للفرار عمّا هو أکثر عقوبهً .

[شماره صفحه واقعی : 236]

ص: 32


1- کذا ، والأولی : « یصدق » کما استظهر فی هامش « ق » و « ش » .
2- کان الأولی أن یقول : نظیر الأفعال التولیدیّه ؛ فإنّ شرب الخمر لیس من الأفعال التولیدیّه . ( حقائق الأُصول 1 : 397 ) وراجع کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 173 .

ولو سُلّم عدمُ الصدق إلّابنحو السالبه المنتفیه بانتفاء الموضوع ، فهو غیر ضائرٍ ، بعدَ تمکّنه من الترک – ولو علی نحو هذه السالبه – ، ومن الفعل بواسطه تمکّنه ممّا هو من قبیل الموضوع فی هذه السالبه ، فیوقع نفسَه – بالاختیار – فی المهلکه ، أو یدخل الدار ، فیعالج بشرب الخمر ، ویتخلّص بالخروج ، أو یختار ترکَ الدخول والوقوعِ فیها (1) ، لئلّا یحتاج إلی التخلّص والعلاج .

إن قلت: کیف یقع مثل الخروج والشرب ممنوعاً عنه شرعاً ، ومعاقباً علیه عقلاً (2) ، مع بقاء ما یتوقّف علیه علی وجوبه ، ووضوح سقوط الوجوب (3) مع امتناع المقدّمه المنحصره ، ولو کان بسوء الاختیار ، والعقلُ قد استقلّ بأنّ الممنوع شرعاً کالممتنع عادهً أو عقلاً ؟

قلت: أوّلاً: إنّما کان الممنوع کالممتنع ، إذا لم یحکم العقل بلزومه ، إرشاداً إلی ما هو أقلّ المحذورین ، وقد عرفت لزومَه بحکمه؛ فإنّه مع لزوم الإتیان بالمقدّمه عقلاً ، لا بأس فی بقاء (4) ذی المقدّمه علی وجوبه ، فإنّه حینئذٍ لیس من التکلیف بالممتنع ، کما إذا کانت المقدّمه ممتنعه .

وثانیاً: لو سلّم ، فالساقط إنّما هو الخطاب فعلاً بالبعث والإیجاب ، لا لزوم إتیانه عقلاً ؛ – خروجاً عن عهده ما تنجّز علیه سابقاً – ؛ ضروره أ نّه لو لم یأتِ به لوقع فی المحذور الأشدّ ، ونقضِ الغرض الأهمّ ؛ حیث إنّه الآن کما

[شماره صفحه واقعی : 237]

ص: 33


1- أثبتنا المصحّح فی « ن » ، وفی سائر الطبعات : فیهما .
2- الأولی أن یقال: « ومستحقاً علیه العقاب عقلاً » ؛ لأنّ العقل یحکم باستحقاق العقاب ، وأما العقوبه الفعلیّه التکوینیّه فهی فعل الشارع دون العقل . ( منته الدرایه 3 : 170 ) .
3- أثبتنا المصحّح فی « ن » ، وفی بعض الطبعات : لسقوط الوجوب .
4- الأولی : … لا بأس ببقاء . ( منته الدرایه 3 : 172 ) .

کان علیه من الملاک والمحبوبیّه ، بلا حدوث قصورٍ أو طروء فتورٍ فیه أصلاً ، وإنّما کان سقوط الخطاب لأجل المانع ، وإلزامُ العقل به لذلک إرشاداً کافٍ ، لاحاجه معه إلی بقاء الخطاب بالبعث إلیه والإیجاب له فعلاً ، فتدبّر جیّداً .

4 – مختار الفصول وما یرد علیه
اشاره

وقد ظهر ممّا حقّقناه : فساد القول بکونه مأموراً به ، مع إجراء حکم المعصیه علیه ، نظراً إلی النهی السابق (1) .

مع ما فیه من لزوم اتّصاف فعلٍ واحدٍ بعنوانٍ واحدٍ بالوجوب والحرمه .

ولا یرتفع غائلته باختلاف زمان التحریم والإیجاب قبل الدخول وبعده – کما فی الفصول (2) – ، مع اتّحاد زمان الفعل المتعلّق لهما ، وإنّما المفید اختلاف زمانه ولو مع اتّحاد زمانهما . وهذا أوضح من أن یخفی ، کیف ؟ ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصیاناً للنهی السابق ، وإطاعهً للأمر اللاحق فعلاً ، ومبغوضاً ومحبوباً کذلک بعنوانٍ واحد ، وهذا ممّا لا یرضی به القائل بالجواز ، فضلاً عن القائل بالامتناع .

کما لا یُجدی فی رفع هذه الغائله : کونُ النهی مطلقاً وعلی کلِّ حالٍ ، وکونُ الأمر مشروطاً بالدخول؛ ضرورهَ منافاه حرمه شیءٍ کذلک مع وجوبه فی بعض الأحوال .

الإیراد علی مختار أبی هاشم والمحققّ القمّی

وأمّا القول بکونه مأموراً به و منهیّاً عنه (3): ففیه – مضافاً إلی ما عرفت من امتناع الاجتماع فی ما إذا کان بعنوانین ، فضلاً عمّا إذا کان بعنوانٍ واحد ، کما فی المقام ، حیث کان الخروج بعنوانه سبباً للتخلّص ، وکان بغیر إذن المالک ،

[شماره صفحه واقعی : 238]

ص: 34


1- الفصول : 138 .
2- المصدر السابق .
3- القوانین 1 : 153 .

ولیس التخلّص إلّامنتزعاً عن ترک الحرام المسبّب عن الخروج (1)* ، لا عنواناً له – : أنّ الاجتماع هاهنا لو سلّم أ نّه لا یکون بمحالٍ – لتعدّد العنوان ، وکونِه مجدیاً فی رفع غائله التضادّ – کان محالاً؛ لأجل کونه طلبَ المحال ، حیث لا مندوحه هنا ؛ وذلک لضروره عدم صحّه تعلّق الطلب والبعث حقیقهً بما هو واجب أو ممتنع (2) ، ولو کان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختیار .

وما قیل: « إنّ الامتناع أو الإیجاب بالاختیار لا ینافی الاختیار » ، إنّما هو فی قبال استدلال الأشاعره للقول بأنّ الأفعال غیر اختیاریّه بقضیّه : أنّ الشیء ما لم یجب لم یُوجد .

استدلال المحقّق القمّی والإیراد علیه

فانقدح بذلک : فساد الاستدلال (3) لهذا القول بأنّ الأمر بالتخلّص والنهی عن الغصب دلیلان یجب إعمالهما ، ولا موجب للتقیید عقلاً؛ لعدم استحاله کون الخروج واجباً وحراماً باعتبارین مختلفین؛ إذ منشأ الاستحاله :

[شماره صفحه واقعی : 239]

ص: 35


1- (*) قد عرفت – ممّا علّقت علی الهامش – : أنّ ترک الحرام غیر مسبّب عن الخروج حقیقهً ، وإنّما المسبّب عنه إنّما هو الملازم له ، وهو الکون فی خارج الدار . نعم ، یکون مسبّباً عنه مسامحه وعَرَضاً . وقد انقدح بذلک: أ نّه لا دلیل فی البین إلّاعلی حرمه الغصب ، المقتضی لاستقلال العقل بلزوم الخروج من باب أ نّه أقلّ المحذورین ، وأ نّه لا دلیل علی وجوبه بعنوان آخر ، فحینئذٍ یجب إعماله أیضاً – بناءً علی القول بجواز الاجتماع – ، کإعمال1) النهی عن الغصب لیکون الخروج مأموراً به و منهیاً عنه ، فافهم . ( منه قدس سره ) .
2- فی « ر » زیاده : أو ترک کذلک .
3- هذا الاستدلال ذُکر فی القوانین 1 : 153 – 154 باختلاف یسیر . – 1) فی بعض الطبعات : کاحتمال .

إمّا لزوم اجتماع الضدّین ، وهو غیر لازم مع تعدّد الجهه ، وإمّا لزوم التکلیف بما لا یطاق ، وهو لیس بمحال إذا کان مسبّباً عن سوء الاختیار .

وذلک لما عرفت من ثبوت الموجِب للتقیید عقلاً ولو کانا بعنوانین ، وأنّ اجتماع الضدّین لازمٌ ولو مع تعدّد الجهه ، مع عدم تعدّدها هاهنا . والتکلیف بما لا یطاق محالٌ علی کلِّ حالٍ . نعم ، لو کان بسوء الاختیار لا یسقط العقاب بسقوط التکلیف بالتحریم أو الإیجاب .

ثمره الأقوال فی المسأله

ثمّ لا یخفی: أ نّه لا إشکال فی صحّه الصلاه مطلقاً فی الدار المغصوبه ، علی القول بالاجتماع .

وأمّا علی القول بالامتناع ، فکذلک ، مع الاضطرار (1) إلی الغصب لا بسوء الاختیار ، أو معه (2) ولکنّها وقعت فی حال الخروج ، علی القول بکونه مأموراً به بدون إجراء حکم المعصیه علیه ، أو مع غلبه ملاک الأمر علی النهی مع ضیق الوقت .

أمّا مع السعه فالصحّه وعدمها مبنیّان علی عدم اقتضاء الأمر بالشیء للنهی عن الضدّ واقتضائه؛ فإنّ الصلاه فی الدار المغصوبه وإن کانت مصلحتها

[شماره صفحه واقعی : 240]

ص: 36


1- من قوله : « مع الاضطرار » إلی قوله : « أ مّا مع السعه » أُدرج فی هامش « ق » بعنوان « نسخه بدل » وأثبت بدلاً عنه – فی المتن – ما یلی : فکذلک ، لو غلب ملاک الأمر علی ملاک النهی مع ضیق الوقت ، أو اضطرّ إلی الغصب لا بسوء الاختیار ، أو بسوء الاختیار مع وقوعها فی حال الخروج مطلقاً ، ولو علی القول بکونه مأموراً به مع إجراء حکم المعصیه علیه ؛ فإنّ هذا لولا عروض وجه الصلاتیّ علیه ؛ إذ الفرض غلبه ملاک الأمر علی ملاک النهی ، وإن لم یکن الخروج مأموراً به ، فضلاً عمّا لو قیل به . أما الصلاه فیها فی سعه الوقت وعدم الاضطرار إلی الغصب فالصحّه وعدمها … .
2- فی « ر » : لا بسوء الاختیار مطلقاً ، أو بسوء الاختیار ولکنّها … .

غالبهً علی ما فیها من المفسده ، إلّاأ نّه لا شبهه فی أنّ الصلاه فی غیرها تُضادّها ، بناءً علی أ نّه لا یبقی مجال مع إحداهما للاُخری ، مع کونها أهمّ منها؛ لخلوّها عن (1) المنقصه الناشئه من قِبَل اتّحادها مع الغصب .

لکنّه عرفت (2) : عدم الاقتضاء بما لا مزید علیه ، فالصلاه فی الغصب اختیاراً فی سعه الوقت صحیحهٌ (3) ، وإن لم تکن مأموراً بها .

التنبیه الثانی :صغرویّه المقام لکبری التزاحم أو التعارض

اشاره

الأمر الثانی: قد مرّ – فی بعض المقدّمات (4) – : أ نّه لا تعارض بین مثل خطاب «صلّ» وخطاب «لا تغصب» علی الامتناع ، تعارُضَ الدلیلین بما هما دلیلان حاکیان ، کی یقدّم الأقوی منهما دلالهً أو سنداً ، بل إنّما هو من باب تزاحم المؤثّرین والمقتضیین ، فیقدّم الغالب منهما ، وإن کان الدلیل علی مقتضی الآخر أقوی من دلیل مقتضاه .

هذا فی ما إذا أُحرز الغالب منهما ، وإلّا کان بین الخطابین تعارضٌ ، فیقدّم الأقوی منهما دلالهً أو سنداً ، و بطریق « الإنّ » یُحرز به أنّ مدلوله أقوی مقتضیاً .

[شماره صفحه واقعی : 241]

ص: 37


1- أثبتناها من « ر » ، وفی غیرها : من .
2- فی مسأله اقتضاء الأمر بالشیء للنهی عن ضدّه .
3- فی « ر » : فالصلاه فی سعه الوقت صحیحه . وفی منته الدرایه 3 : 192 لیست هذه الکلمه ( اختیاراً ) فی جمله من النسخ ، والظاهر عدم الحاجه إلیها ؛ إذ بعد فرض تمامیه ملاک الأمر وغلبته علی مناط النهی ، لا وجه لبطلان الصلاه فی المغصوب فی سعه الوقت إلّاالنهی الغیری ، ولا فرق فی هذا النهی – الملازم للأمر – بین الاختیار والاضطرار ، بعد فرض سعه الوقت وإمکان الاتیان بالصلاه فی غیر المغصوب .
4- فی الأمر الثامن والتاسع من مقدّمات هذا الفصل .

هذا لو کان کلٌّ من الخطابین متکفّلاً لحکم (1) فعلیّ ، وإلّا فلابدّ من الأخذ بالمتکفّل لذلک منهما لو کان ، وإلّا فلا محیص عن الانتهاء إلی ما تقتضیه الأُصول العملیّه .

ترجیح أحد الدلیلین لا یوجب خروج مورد الاجتماع عن المطلوبیه رأساً

ثمّ لا یخفی: أنّ ترجیح أحد الدلیلین وتخصیصَ الآخر به فی المسأله ، لا یوجب خروجَ مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأساً (2) ، کما هو قضیّه التقیید والتخصیص فی غیرها ، ممّا لا یحرز فیه المقتضی لکلا الحکمین ، بل قضیّته لیس إلّا خروجه فی ما کان الحکم الّذی هو مفاد الآخر فعلیّاً ؛ وذلک لثبوت المقتضی فی کلّ واحد من الحکمین فیها . فإذا لم یکن المقتضی لحرمه الغصب مؤثّراً لها (3) – لاضطرارٍ أو جهلٍ أو نسیانٍ – کان المقتضی لصحّه الصلاه مؤثّراً لها فعلاً ، کما إذا لم یکن دلیل الحرمه أقوی ، أو لم یکن واحدٌ من الدلیلین دالّاً علی الفعلیّه أصلاً .

دفع الإشکال عن صحّه الصلاه فی موارد العذر

فانقدح بذلک : فساد الإشکال فی صحّه الصلاه – فی صوره الجهل أو النسیان ونحوهما – ، فی ما إذا قُدّم خطاب « لا تغصب » ، کما هو الحال فی ما إذا کان الخطابان من أوّل الأمر متعارضین ، ولم یکونا من باب الاجتماع أصلاً؛ وذلک لثبوت المقتضی فی هذاالباب ، کما إذا لم یقع بینهما تعارضٌ ، ولم یکونا متکفّلین للحکم الفعلیّ .

[شماره صفحه واقعی : 242]

ص: 38


1- الأنسب : « بحکم » ، وکذا الأمر فی الموردین التالیین .
2- ردٌّ علی مطارح الأنظار 1 : 701 ؛ إذ قال : إنّ ملاحظه الترجیح فی الدلاله یوجب المصیر إلی أنّ مورد الاجتماع خارج عن المطلوب .
3- الأولی : إبدال « لها » ب « فیها » هنا ، وکذا فی قوله : « مؤثراً لها فعلاً » . راجع منته الدرایه 3 : 199 .

فیکون وزانُ التخصیص فی مورد الاجتماع ، وزانَ التخصیص العقلیّ الناشئ من جهه تقدیم أحد المقتضیین وتأثیرِه فعلاً ، المختصِّ بما إذا لم یمنع عن تأثیره مانعٌ ، المقتضی لصحّه مورد الاجتماع مع الأمر ، أو بدونه فی ما کان هناک مانع عن تأثیر المقتضی للنهی له (1) ، أو عن فعلیّته ، کما مرّ تفصیله (2) .

وجوه ترجیح النهی علی الأمر وبیان ما یرد علیها :
اشاره

وکیف کان ، فلابدّ فی ترجیح أحد الحکمین من مرجّح . وقد ذکروا لترجیح النهی وجوهاً :

1 – النهی أقوی دلاله من الأمر

منها: أ نّه أقوی دلاله؛ لاستلزامه انتفاءَ جمیع الأفراد ، بخلاف الأمر .

وقد أُورد علیه (3) : بأنّ ذلک فیه من جهه إطلاق متعلّقه بقرینه الحکمه ، کدلاله الأمر علی الاجتزاء بأیّ فردٍ کان .

وقد أُورد علیه (4) : بأ نّه لو کان العموم المستفاد من النهی بالإطلاق بمقدّمات الحکمه ، وغیرَ مستند إلی دلالته علیه بالالتزام ، لکان استعمال مثل « لا تغصب » فی بعض أفراد الغصب حقیقهً ، وهذا واضح الفساد ، فتکون دلالته علی العموم من جهه أنّ وقوع الطبیعه فی حیّز النفی أو النهی یقتضی عقلاً سریانَ الحکم إلی جمیع الأفراد؛ ضروره عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلّا بالانتهاء عن الجمیع أو انتفائه .

قلت: دلالتهما علی العموم والاستیعاب – ظاهراً – ممّا لا یُنکر ، لکنّه من

[شماره صفحه واقعی : 243]

ص: 39


1- الأولی : تبدیل « له » ب « فیه » ؛ لتعلّق « له » ب « تأثیر » . ( منته الدرایه 3 : 202 ) .
2- فی عاشر الأُمور من مقدّمه الفصل .
3- فی القوانین 1 : 138 ، فی مبحث دلاله النهی علی التکرار .
4- لم نظفر بالمُورد .

الواضح : أنّ العموم المستفاد منهما کذلک ، إنّما هو بحسب ما یراد من متعلّقهما ، فیختلف سعهً وضیقاً ، فلا یکاد یدلّ علی استیعاب جمیع الأفراد ، إلّاإذا أُرید منه الطبیعه مطلقهً وبلا قیدٍ . ولایکاد یستظهر ذلک – مع عدم دلالته علیه (1) بالخصوص – إلّابالإطلاق وقرینه الحکمه ، بحیث لو لم یکن هناک قرینتها – بأن یکون الإطلاق فی غیر مقام البیان – لم یکد یستفاد استیعاب أفراد الطبیعه ، وذلک لا ینافی دلالَتهما علی استیعاب أفراد ما یراد من المتعلّق؛ إذ الفرض عدم الدلاله علی أ نّه المقیّد أو المطلق .

اللهمّ إلّاأن یقال: إنّ فی دلالتهما علی الاستیعاب کفایهً ودلالهً علی أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق ، کما ربما یدّعی ذلک فی مثل: «کلّ رجل» ، وأنّ مثل لفظه «کلّ» تدلّ علی استیعاب جمیع أفراد الرجل ، من غیر حاجهٍ إلی ملاحظه إطلاق مدخوله وقرینه الحکمه ، بل یکفی إراده ما هو معناه – من الطبیعه المهمله ولابشرط – فی دلالته علی الاستیعاب ، وإن کان لا یلزم مجاز أصلاً لو أُرید منه خاصٌّ بالقرینه ، لا فیه؛ لدلالته علی استیعاب أفراد ما یراد من المدخول ، ولا فیه إذا کان بنحو تعدّد الدالّ والمدلول؛ لعدم استعماله إلّا فی ما وضع له ، والخصوصیّهُ مستفاده من دالٍّ آخر ، فتدبّر .

2 دفع المفسده أولی من جلب المنفعه

ومنها: أنّ دفع المفسده أولی من جلب المنفعه .

وقد أورد علیه – فی القوانین (2) – بأ نّه مطلقاً ممنوع؛ لأنّ فی ترک الواجب أیضاً مفسده إذا تعیّن .

[شماره صفحه واقعی : 244]

ص: 40


1- الظاهر : أنّ أصل العباره : عدم دلالهٍ علیه . ( حقائق الأُصول 1 : 412 ) .
2- القوانین 1 : 153 .

ولا یخفی ما فیه؛ فإنّ الواجب – ولو کان معیّناً – لیس إلّالأجل أنّ فی فعله مصلحه یلزم استیفاؤها ، من دون أن یکون فی ترکه مفسده ، کما أنّ الحرام لیس إلّالأجل المفسده فی فعله بلا مصلحه فی ترکه .

ولکن یرد علیه : أنّ الأولویّه مطلقاً ممنوعه ، بل ربما یکون العکس أولی ، کما یشهد به مقایسه فعل بعض المحرّمات مع ترک بعض الواجبات ، خصوصاً مثل الصلاه وما یتلو تلوها .

ولو سلّم فهو أجنبیّ عن المقام (1)*؛ فإنّه فی ما إذا دار بین الواجب والحرام .

ولو سلّم فإنّما یُجدی فی ما لو حصل به القطع .

ولو سلّم أ نّه یُجدی ولو لم یحصل ، فإنّما یُجدی (2) فی ما لا یکون هناک مجالٌ لأصاله البراءه أو الاشتغال ، کما فی دوران الأمر بین الوجوب والحرمه التعیینیّین ، لا فی ما تجری ، کما فی محلّ الاجتماع؛ لأصاله البراءه عن حرمته ، فیحکم بصحّته ، ولو قیل بقاعده الاشتغال فی الشکّ فی الأجزاء والشرائط ، فإنّه لا مانع عقلاً إلّافعلیّه الحرمه المرفوعه بأصاله البراءه عنها عقلاً ونقلاً (3) .

نعم ، لو قیل (4)** بأنّ المفسده الواقعیّه الغالبه مؤثّرهٌ فی المبغوضیّه ولو لم

[شماره صفحه واقعی : 245]

ص: 41


1- (*) فإنّ الترجیح به إنّما یناسب ترجیح المکلّف ، واختیاره للفعل أو الترک ، بما هو أوفق بغرضه ، لا المقام ، وهو مقام جعل الأحکام؛ فانّ المرجّح هناک لیس إلّاحسنها أو قبحها العقلیّان ، لا موافقه الأغراض ومخالفتها ، کما لا یخفی ، تأمّل تعرف . ( منه قدس سره ) .
2- فی « ق » و « ش » : یجری .
3- فی « ق » : المرفوعه عقلاً ونقلاً بأصاله البراءه عنها .
4- (**) کما هو غیر بعید کلّه ، بتقریب: أنّ إحراز المفسده والعلم بالحرمه الذاتیّه کافٍ فی تأثیرها بما لها من المرتبه ، ولایتوقّف تأثیرها کذلک علی إحرازها بمرتبتها . ولذا کان العلم بمجرّد حرمه شیءٍ موجباً لتنجّز حرمته علی ما هی علیه من المرتبه ، ولو کانت فی أقوی مراتبها ، ولاستحقاق العقوبه الشدیده علی مخالفتها حسب شدّتها ، کما لا یخفی ، هذا . لکنّه إنّما یکون إذا لم یحرز أیضاً ما یحتمل أن یزاحمها ویمنع عن تأثیرها المبغوضیّه . وأمّا معه فیکون الفعل کما إذا لم یحرز أ نّه ذو مصلحه أو مفسده ممّا لا یستقلّ العقل بحسنه أو قبحه ، وحینئذٍ یمکن أن یقال بصحّته عبادهً لو أتی به بداعی الأمر المتعلّق بما یصدق علیه من الطبیعه ، بناءً علی عدم اعتبار أزید من إتیان العمل قُربیّاً فی العباده ، وامتثالاً للأمر بالطبیعه ، وعدم اعتبار کونه ذاتاً راجحاً . کیف ؟ ویمکن أن لا یکون جلّ العبادات ذاتاً راجحاً ، بل إنّما یکون کذلک فی ما إذا أُتی بها علی نحوٍ قربیّ . نعم ، المعتبر فی صحّته عبادهً إنّما هو أن لا یقع منه مبغوضاً علیه ، کما لا یخفی . وقولنا: «فتأمّل» إشاره إلی ذلک . ( منه قدس سره ) .

تکن الغلبه بمحرزه (1) ، فأصاله البراءه غیر جاریه (2) ، بل کانت أصاله الاشتغال بالواجب – لو کان عبادهً – محکّمهً ، ولو قیل بأصاله البراءه فی الأجزاء والشرائط؛ لعدم تأ تّی قصدِ القربه مع الشکّ فی المبغوضیّه ، فتأمّل .

3 – الاستقراء

ومنها: الاستقراء ، فإنّه یقتضی ترجیحَ جانب الحرمه علی جانب الوجوب ، کحرمه الصلاه فی أیّام الاستظهار ، وعدمِ جواز الوضوء من الإناءین المشتبهین .

وفیه: أ نّه لادلیل علی اعتبار الاستقراء ما لم یُفِد القطع .

ولو سلّم فهو لا یکاد یثبت بهذا المقدار .

ولو سلّم فلیس حرمه الصلاه فی تلک الأیّام ، ولا عدمُ جواز الوضوء منهما مربوطاً بالمقام؛ لأنّ حرمه الصلاه فیها إنّما تکون لقاعده الإمکان

[شماره صفحه واقعی : 246]

ص: 42


1- فی (ر) ولو تکن بمحرزه
2- فی (ق) (ر) و (ش) غیر مجیه

والاستصحاب المثبتین لکون الدم حیضاً ، فیحکم بجمیع أحکامه ، ومنها حرمه الصلاه علیها ، لا لأجل تغلیب جانب الحرمه کما هو المدّعی .

هذا لو قیل بحرمتها الذاتیّه فی أیّام الحیض ، وإلّا فهو خارج عن محلّ الکلام .

ومن هنا انقدح: أ نّه لیس منه ترک الوضوء من الإناءین؛ فإنّ حرمه الوضوء من الماء النجس لیس إلّاتشریعیّاً ، ولا تشریعَ فی ما لو توضّأ منهما احتیاطاً ، فلا حرمه فی البین غُلّب جانبها . فعدم جواز الوضوء منهما ولو کذلک ، – بل إراقتهما ، کما فی النصّ (1) – لیس إلّامن باب التعبّد ، أو من جهه الابتلاء بنجاسه البدن ظاهراً بحکم الاستصحاب؛ للقطع بحصول النجاسه حال ملاقاه المتوضّئ من (2) الإناء (3) الثانیه : إمّا بملاقاتها ، أو بملاقاه الأُولی وعدم استعمال مطهّر (4) بعدَه ، ولو طهّر بالثانیه مواضع الملاقاه بالأُولی .

نعم، لو طهُرت – علی تقدیر نجاستها – بمجرّد ملاقاتها، – بلا حاجهٍ إلی التعدّد أو انفصال (5) الغساله – لا یعلم (6) تفصیلاً بنجاستها، وإن علم بنجاستها حین ملاقاه الأُولی أو الثانیه إجمالاً ، فلامجال لاستصحابها ، بل کانت قاعده الطهاره محکّمهً .

[شماره صفحه واقعی : 247]

ص: 43


1- وسائل الشیعه 1 : 151 ، الباب 8 من أبواب الماء المطلق ، الحدیث 2 .
2- متعلّق ب « ملاقاه » والأولی أن یقال : « للإناء الثانیه » . ( منته الدرایه 3 : 226 ) .
3- فی « ر » : الآنیه .
4- الصواب أن یقال : « وعدم العلم باستعمال مطهّر » ، لا نفی استعماله واقعاً ؛ لاحتماله مع کون ماء الأولی نجساً واقعاً . ( منته الدرایه 3 : 226 ) . ویؤیّد ذلک کلامه فی حاشیته علی الفرائد : 354 ؛ حیث قال : وعدم استعمال مطهّرٍ یقینیٍّ بعده .
5- فی بعض الطبعات : وانفصال .
6- الأنسب : لم یعلم .

التنبیه الثالث : لحوق تعدّد الإضافات بتعدّد الجهات

الأمر الثالث: الظاهر : لحوق تعدّد الإضافات بتعدّد العنوانات والجهات ، فی أ نّه لو کان تعدّد الجهه والعنوان کافیاً – مع وحده المعنون وجوداً – فی جواز الاجتماع ، کان تعدّد الإضافات مجدیاً؛ ضروره أ نّه یوجب أیضاً اختلاف المضاف بها بحسب المصلحه والمفسده ، والحسن والقبح عقلاً ، وبحسب الوجوب والحرمه شرعاً .

فیکون مثل «أکرم العلماء» و«لاتکرم الفسّاق» من باب الاجتماع ، ک «صلّ» و «لا تغصب» ، لا من باب التعارض ، إلّاإذا لم یکن للحکم فی أحد الخطابین فی مورد الاجتماع مقتضٍ ، کما هو الحال أیضاً فی تعدّد العنوانین .

فما یُتراءی منهم – من المعامله مع مثل « أکرم العلماء » و « لا تکرم الفسّاق » معاملهَ تعارُضِ العموم من وجه – إنّما یکون بناءً علی الامتناع ، أو عدم المقتضی لأحد الحکمین فی مورد الاجتماع .

[شماره صفحه واقعی : 248]

ص: 44

فصلٌ : فی أنّ النهی عن الشیء هل یقتضی فساده أم لا ؟
تقدیم أُمور :

اشاره

ولیقدّم أُمور:

1 – الفرق بین هذه المسألهومسأله الاجتماع

الأوّل: أ نّه قد عرفت فی المسأله السابقه الفرق بینها وبین هذه المسأله ، وأ نّه لا دخل للجهه المبحوث عنها فی إحداهما بما هو جهه البحث فی الاُخری ، وأنّ البحث فی هذه المسأله فی دلاله النهی – بوجهٍ یأتی تفصیله – علی الفساد ، بخلاف تلک المسأله ، فإنّ البحث فیها فی أنّ تعدّد الجهه یجدی فی رفع غائله اجتماع الأمر والنهی فی مورد الاجتماع أم لا ؟

2 – الوجه فی عدّ المسأله من مباحث الألفاظ

الثانی: أ نّه لا یخفی أنّ عدّ هذه المسأله من مباحث الألفاظ ، إنّما هو لأجل أ نّه فی الأقوال قولٌ بدلالته علی الفساد فی المعاملات ، مع إنکار الملازمه بینه وبین الحرمه الّتی هی مفاده فیها (1) .

ولا ینافی ذلک: أنّ الملازمه علی تقدیر ثبوتها فی العباده إنّما تکون بینه وبین الحرمه ولو لم تکن مدلولهً بالصیغه ، وعلی تقدیر عدمها تکون منتفیهً بینهما (2)؛ لإمکان أن یکون البحث معه فی دلاله الصیغه بما تعمّ دلالتها بالالتزام ، فلا تقاس بتلک المسأله الّتی لا یکاد یکون لدلاله اللفظ بها مساس، فتأمّل جیّداً .

[شماره صفحه واقعی : 249]

ص: 45


1- لم نعثر علی القائل به .
2- هذا هو البیان الوارد فی مطارح الأنظار 1: 728 للردّ علی إدراج المسأله فی مباحث الألفاظ .

3 – شمول ملاک البحث للنهی التنزیهی والغیری

الثالث: ظاهر لفظ النهی وإن کان هو النهی التحریمیّ ، إلّاأنّ ملاک البحث یعمّ التنزیهیّ . ومعه لا وجه لتخصیص العنوان (1) . واختصاص عموم ملاکه بالعبادات لایوجب التخصیص به ، کما لا یخفی .

کما لا وجه لتخصیصه بالنفسیّ ، فیعمّ الغیریّ إذا کان أصلیّاً . وأمّا إذا کان تبعیّاً فهو وإن کان خارجاً عن محلّ البحث – ؛ لما عرفت أ نّه فی دلاله النهی ، والتبعیّ منه من مقوله المعنی – ، إلّاأ نّه داخلٌ فی ما هو ملاکه؛ فإنّ دلالته علی الفساد – علی القول به فی ما لم یکن للإرشاد إلیه – إنّما یکون لدلالته علی الحرمه ، من غیر دَخْلٍ لاستحقاق العقوبه علی مخالفته فی ذلک ، کما توّهمه القمیّ قدس سره (2).

ویؤیّد ذلک : أ نّه جُعِل ثمره النزاع فی أنّ الأمر بالشیء یقتضی النهی عن ضدّه : فسادُه إذا کان عبادهً ، فتدبّر جیّداً .

4 – المراد من العباده فی محلّ النزاع

الرابع: ما یتعلّق به النهیُ : إمّا أن یکون عبادهً أو غیرَها . والمراد بالعباده هنا ما یکون بنفسه وبعنوانه عبادهً له – تعالی – ، موجِباً بذاته للتقرّب من حضرته – لولا حرمته – ، کالسجود والخضوع والخشوع له وتسبیحه وتقدیسه ، أو ما لو تعلّق الأمر به کان أمره أمراً عبادیّاً ، لا یکاد یسقط إلّاإذا أُتی به بنحوٍ قُربیّ ، کسائر أمثاله ، نحو صوم العیدین والصلاه فی أیّام العاده (3) .

[شماره صفحه واقعی : 250]

ص: 46


1- ردٌّ علی تخصیص الشیخ الأعظم الأنصاری عنوان البحث بالنهی التحریمی . راجع مطارح الأنظار 1 : 728 .
2- راجع القوانین 1 : 102 ذیل المقدّمه السادسه .
3- الأولی : تبدیل « العاده » ب « الحیض » ؛ لعدم اختصاص الحیض بأیّام العاده . ( منته الدرایه 3 : 244 ) .

لا ما أُمر به لأجل التعبّد به (1) ، ولا ما یتوقّف صحّته علی النیّه (2) ، ولا ما لا یُعلم انحصار المصلحه فیه فی شیءٍ (3) – کما عُرّفت بکلٍّ منها العبادهُ – ؛ ضرورهَ أ نّها بواحدٍ منها لا یکاد یمکن أن یتعلّق بها النهی .

مع ما أُورد علیها بالانتقاض طرداً أو عکساً ، أو بغیره – کما یظهر من مراجعه المطوّلات (4) – . وإن کان الإشکال بذلک فیها فی غیر محلّه؛ لأجل کون مثلها من التعریفات لیس بحدٍّ ولا برسمٍ ، بل من قبیل شرح الإسم ، کما نبّهنا علیه غیر مرّه ، فلا وجه لإطاله الکلام بالنقض والإبرام فی تعریف العباده ، ولا فی تعریف غیرها کما هو العاده .

5 – تحریر محلّ النزاع

الخامس: أ نّه لا یدخل فی عنوان النزاع إلّاما کان قابلاً للاتّصاف بالصحّه والفساد ، بأن یکون تارهً تامّاً ، یترتّب علیه ما یُترقّب عنه من الأثر ، وأُخری لا کذلک؛ لاختلال بعض ما یعتبر فی ترتّبه .

أمّا ما لا أثر له شرعاً ، أو کان أثره ممّا لا یکاد ینفکّ عنه – کبعض أسباب الضمان – فلا یدخل فی عنوان النزاع؛ لعدم طروء الفساد علیه ، کی ینازع فی أنّ النهی عنه یقتضیه أو لا .

فالمراد ب « الشیء » – فی العنوان – هو : العباده بالمعنی الّذی تقدّم ، والمعامله بالمعنی الأعمّ ، ممّا یتّصف بالصحّه والفساد ، عقداً کان أو إیقاعاً أو غیرهما ، فافهم .

[شماره صفحه واقعی : 251]

ص: 47


1- وهذا ما جعله هو الأجود فی مطارح الأنظار 1 : 729 .
2- وهو مختار المحقّق القمّی فی القوانین 1 : 154 .
3- تعریف آخر عن المحقّق القمّی ، راجع المصدر السابق .
4- یراجع الفصول : 139 – 140 ، ومطارح الأنظار 1 : 728 – 730 .

6 – اختلاف الصحّه والفساد بحسب الآثار والأنظار

اشاره

السادس: إنّ الصحّه والفساد وصفان إضافیّان ، یختلفان بحسب الآثار والأنظار ، فربما یکون شیءٌ واحد صحیحاً بحسب أثرٍ أو نظرٍ ، وفاسداً بحسب آخر .

ومن هنا صحّ أن یقال: إنّ الصحّه فی العباده والمعامله لا تختلف ، بل فیهما بمعنی واحد وهو « التمامیّه » ، وإنّما الاختلاف فی ما هو المرغوب منهما ، من الآثار الّتی بالقیاس علیها (1) تتّصف بالتمامیّه وعدمها .

وهکذا الاختلاف بین الفقیه والمتکلّم فی صحّه العباده (2) إنّما یکون لأجل الاختلاف فی ما هو المهمّ لکلٍّ منهما من الأثر ، بعد الاتّفاق ظاهراً علی أ نّها بمعنی التمامیّه ، کما هی معناها لغهً وعرفاً .

فلمّا کان غرض الفقیه هو : وجوب القضاء أو الإعاده ، أو عدمُ الوجوب ، فَسَّر صحّه العباده بسقوطهما . وکان غرض المتکلّم هو : حصول الامتثال – الموجب عقلاً لاستحقاق المثوبه – فَسَّرها بما یوافق الأمر تارهً ، وبما یوافق الشریعه أُخری .

وحیث إنّ الأمر فی الشریعه یکون علی أقسام – من الواقعیّ الأوّلیّ والثانویّ ، والظاهریّ – ، والأنظار تختلف فی أنّ الأخیرین یفیدان الإجزاء ، أو لا یفیدان ، کان الإتیان بعبادهٍ موافقهً لأمرٍ ، ومخالفهً لآخر ، أو مسقطاً للقضاء والإعاده بنظرٍ ، وغیرَ مسقطٍ لهما بنظرٍ آخر .

فالعباده الموافقه للأمر الظاهریّ تکون صحیحهً عند المتکلّم والفقیه ، بناءً

[شماره صفحه واقعی : 252]

ص: 48


1- الأولی : تبدیل « علیها » ب « إلیها » . ( منته الدرایه 3 : 251 ) .
2- هذا تعریض بمن نسب الاختلاف إلی الفقهاء والمتکلمین فی معنی الصحّه ، کالمحقّق القمّی فی القوانین 1 : 157 .

علی أنّ « الأمر » فی تفسیر الصحّه بموافقه الأمر ، أعمُّ من الظاهریّ (1) مع اقتضائه للإجزاء ، وعدمُ اتّصافها بها (2) عند الفقیه بموافقته (3) ، بناءً علی عدم الإجزاء ، وکونُه مراعی بموافقه الأمر الواقعیّ عند المتکلّم (4) ، بناءً علی کون الأمر فی تفسیرها خصوصَ الواقعیّ (5) .

هل الصحّه والفساد من الأُمور المجعوله أو العقلیّه أو الاعتباریّه ؟

تنبیه :

وهو أ نّه لا شبهه فی أنّ الصحّه والفساد عند المتکلّم وصفان اعتباریّان ، ینتزعان من مطابقه المأتیّ به مع المأمور به وعدمها .

وأمّا الصحّه – بمعنی سقوط القضاء والإعاده – عند الفقیه: فهی من لوازم الإتیان بالمأمور به بالأمر الواقعیّ الأوّلیّ عقلاً ؛ حیث لا یکاد یعقل ثبوت الإعاده أو القضاء معه جزماً .

[شماره صفحه واقعی : 253]

ص: 49


1- فی « ر » و « ش » : یعمّ الظاهری .
2- لا یخفی عدم صحه ترکیبه النحوی ، والأولی أن یقول : وغیر متصفه بها ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 225 ) .
3- لا یخفی استدراکها ( بموافقته ) والاستغناء عنها . ( منته الدرایه 3 : 256 ) .
4- فی « ق » و « ش » : وعند المتکلم .
5- حقّ العباره أن تکون هکذا : فالعباده الموافقه للأمر الظاهری تکون صحیحه عند المتکلم والفقیه ، بناءً علی أن « الأمر » فی تفسیر الصحه ب « موافقه الأمر » ، أعم من الظاهری مع اقتضائه للإجزاء ، ولا تکون صحیحه عند الفقیه ، بناءً علی عدم الإجزاء فی الأمر الظاهری ، وکذا عند المتکلم ، بناءً علی إرادته خصوص الأمر الواقعی ، إلّاإذا انکشف وجود الأمر الواقعی فی مورده . ( منته الدرایه 3 : 256 – 257 ) .

فالصحّه بهذا المعنی فیه وإن کان لیس بحکمٍ وضعیٍّ مجعولٍ بنفسه أو بتبع تکلیفٍ ، إلّاأ نّه لیس (1) بأمرٍ اعتباریِّ یُنتزع – کما تُوهّم (2) – ، بل ممّا یستقلّ به العقل ، کما یستقلّ باستحقاق المثوبه به .

وفی غیره ، فالسقوط ربما یکون مجعولاً ، وکان الحکم به تخفیفاً ومنّهً علی العباد ، مع ثبوت المقتضی لثبوتهما – کما عرفت فی مسأله الإجزاء (3) – کما ربما یحکم بثبوتهما، فیکون الصحّه والفساد فیه حکمین مجعولین، لا وصفین انتزاعیّین .

نعم ، الصحّه والفساد فی الموارد الخاصّه لا یکاد یکونان مجعولین ، بل إنّما هی تتّصف بهما بمجرّد الانطباق علی ما هو المأمور به (4) .

هذا فی العبادات .

وأمّا الصحّه فی المعاملات: فهی تکون مجعوله ؛ حیث کان ترتّب الأثر علی معامله إنّما هو بجعل الشارع ، وترتیبه علیها ولو إمضاءً ؛ ضروره أ نّه لولا جعله (5) لما کان یترتّب علیه؛ لأصاله الفساد .

نعم ، صحّه کلّ معامله شخصیّهٍ وفسادُها لیس إلّالأجل انطباقها مع ما

[شماره صفحه واقعی : 254]

ص: 50


1- الأولی : « وإن کانت لیست بحکم وضعی … إلّاأ نّها لیست » ؛ لرجوع الضمائر إلی الصحّه . راجع منته الدرایه 3 : 260 .
2- فی مطارح الأنظار 1 : 737 .
3- فی إجزاء المأمور به الاضطراری عن الأمر الواقعی ؛ حیث قال : وإن لم یکن وافیاً ، وقد أمکن تدارک الباقی … راجع الصفحه : 123 .
4- حقّ العباره أن تکون هکذا : بمجرّد انطباق المأمور به علیها . ( منته الدرایه 3 : 262 ) .
5- من قوله فی الصفحه : 217 : العاشر : « أ نّه لا إشکال فی سقوط الأمر … » . إلی هنا سقط من الأصل .

هو المجعول سبباً وعدمِه (1) ، کما هو الحال فی التکلیفیّه من الأحکام؛ ضروره أنّ اتّصاف المأتیّ به بالوجوب أو الحرمه أو غیرهما ، لیس إلّالانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام (2) .

7 – لا أصل فی المسأله

السابع: لا یخفی: أ نّه لا أصل فی المسأله یعوّل علیه لو شکّ فی دلاله النهی علی الفساد . نعم ، کان الأصل فی المسأله الفرعیّه : الفساد ، لو لم یکن هناک إطلاق أو عموم یقتضی الصحّه فی المعامله .

وأمّا العباده فکذلک؛ لعدم الأمر بها مع النهی عنها ، کما لا یخفی (3) .

[شماره صفحه واقعی : 255]

ص: 51


1- الأولی أن یقال : لیس إلّابانطباق ما هو المجعول سبباً أو عدم انطباقه علیها . راجع منته الدرایه 3 : 264 .
2- الأولی – کما عرفت – أن یقال : لانطباق ما هو الواجب أو الحرام علیه . ( المصدر السابق : 363 ) .
3- هذه العباره وردت فی « ق » فی الهامش ، وکُتب آخرها : « نسخه بدل » . وأُدرج فی المتن بدلها ما یلی : وأما العباده فکذلک ، لو کان الشک فی أصل ثبوت الأمر ، أو فی صحّه المأتیّ به وفساده ، لأجل الشک فی انطباقه مع ما هو المأمور به حین إتیانه ، وإلّا فأصاله الصحه بعد فراغه متّبعه . وأ مّا لو کان الشک لأجل دوران الواجب بین الأقل والأکثر ، فقضیه الأصل بحکم العقل وإن کانت هو الاشتغال – علی ما حقّقناه فی محلّه – إلّاأنّ النقل – مثل حدیث الرفع – یقتضی صحه الأقل والبراءه عن الأکثر ، فتدبّر جیّداً . وقال فی حقائق الأُصول 1 : 432 : ثمّ إنّ فی بعض النسخ بدل قوله : « وأما العباده فکذلک لعدم الأمر بها مع النهی عنها » قوله : « وأما العباده فلذلک لو کان الشک فی أصل ثبوت الأمر … » وقد ضرب علیها فی بعض النسخ . ولعلّ الوجه فیه: أنّ الصور المذکوره فیها کلّها مشترکه فی کون الشک فی الصحه من جهه الشک فی المشروعیه، وهو خارج عن محل الکلام ؛ لأنّ الکلام فی الشک فی اقتضاء النهی ، فلاحظ .

8 – أقسام متعلّق النهی فی العبادات و أحکامها

الثامن: إنّ متعلّق النهی : إمّا أن یکون نفسَ العباده ، أو جزأَها ، أو شرطَها الخارج عنها ، أو وصفَها الملازم لها ، کالجهر والإخفات للقراءه (1)* ، أو وصفَها غیرَ الملازم ، کالغصبیّه لأکوان الصلاه المنفکّه عنها .

لا ریب فی دخول القسم الأوّل فی محلّ النزاع، وکذا القسم الثانی، بلحاظ أنّ جزء العباده عباده ، إلّاأنّ بطلان الجزء لا یوجب بطلانها إلّامع الاقتصار علیه ، لا مع الإتیان بغیره ممّا لا نهی عنه ، إلّاأن یستلزم محذوراً آخر .

وأمّا القسم الثالث: فلا تکون حرمه الشرط والنهی عنه موجباً لفساد العباده إلّافی ما کان عبادهً ، کی تکون حرمته موجبه لفساده ، المستلزمِ لفساد المشروط به .

وبالجمله: لا یکاد یکون النهی عن الشرط موجباً لفساد العباده المشروطه به لو لم یکن موجباً لفساده ، کما إذا کان عبادهً .

وأمّا القسم الرابع: فالنهی عن الوصف اللازم مساوقٌ للنهی عن موصوفه ، فیکون النهی عن الجهر فی القراءه – مثلاً – مساوقاً للنهی عنها؛ لاستحاله کون القراءه الّتی یجهرُ بها مأموراً بها ، مع کون الجهر بها منهیّاً عنه فعلاً ، کما لا یخفی .

وهذا بخلاف ما إذا کان مفارقاً – کما فی القسم الخامس – ؛ فإنّ النهی عنه لا یسری إلی الموصوف إلّافی ما إذا اتّحد معه وجوداً ، بناءً علی امتناع الاجتماع . وأمّا بناءً علی الجواز فلا یسری إلیه ، کما عرفت فی المسأله السابقه .

[شماره صفحه واقعی : 256]

ص: 52


1- (*) فإنّ کلّ واحد منهما لایکاد ینفکّ عن القراءه ، وإن کانت هی تنفکّ عن أحدهما ، فالنهی عن أیّهما یکون مساوقاً للنهی عنها ، کما لایخفی . ( منه قدس سره ) .

هذا حال النهی المتعلّق بالجزء أو الشرط أو الوصف .

وأمّا النهی عن العباده لأجل أحد هذه الاُمور: فحاله حال النهی عن أحدها إن کان من قبیل الوصف بحال المتعلّق ، وبعبارهٍ أُخری: کان النهی عنها بالعرَض .

وإن کان النهی عنها (1) علی نحو الحقیقه والوصف بحاله – وإن کان بواسطه أحدها ، إلّاأ نّه من قبیل الواسطه فی الثبوت ، لا العروض – کان حالُه حالَ النهی فی القسم الأوّل ، فلا تغفل .

وممّا ذکرنا فی بیان أقسام النهی فی العباده یظهر حال الأقسام فی المعامله ، فلا یکون بیانها علی حِدَه بمهمّ . کما أنّ تفصیل الأقوال فی الدلاله علی الفساد وعدمها – الّتی ربما تزید علی العشره ، علی ما قیل (2) – کذلک .

تحقیق المسأله فی مقامین

اشاره

إنّما المهمّ بیان ما هو الحقّ فی المسأله ، ولابدّ فی تحقیقه – علی نحوٍ یظهر الحال فی الأقوال – من بسط المقال فی مقامین:

الأوّل: فی العبادات

النهی فی العباده یقتضی الفساد

فنقول – وعلی اللّٰه الاتّکال – : إنّ النهی المتعلّق بالعباده بنفسها ، ولو کانت

[شماره صفحه واقعی : 257]

ص: 53


1- فی الأصل و « ن » و « ر » کما أثبتناه وفی « ق » ، « ش » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه : عنه ، وقال فی منته الدرایه 3 : 274 : ضمیر « عنه » راجع إلی العباده ، والصواب تأنیث الضمیر .
2- قاله فی مطارح الأنظار 1 : 749 .

جزء عباده بما هو عباده – کما عرفت (1) – مقتضٍ لفسادها؛ لدلالته علی حرمتها ذاتاً ، ولا یکاد یمکن اجتماع الصحّه – بمعنی موافقه الأمر أو الشریعه – مع الحرمه ، وکذا بمعنی سقوط الإعاده؛ فإنّه مترتّب علی إتیانها بقصد القربه ، وکانت ممّا یصلح لأن یتقرّب به (2) ، ومع الحرمه لا تکاد تصلح لذلک ، ولا یتأتّی (3) قصدُها من الملتفِت إلی حرمتها ، کما لا یخفی .

الإشکال فی الاقتضاء

لا یقال: هذا لو کان النهی عنها دالّاً علی الحرمه الذاتیّه ، ولا یکاد یتّصف بها العباده؛ لعدم الحرمه بدون قصد القربه ، وعدمِ القدره علیها مع قصد القربه بها إلّاتشریعاً ، ومعه تکون محرّمه بالحرمه التشریعیّه لا محاله ، ومعه لا تتّصف بحرمه أُخری؛ لامتناع اجتماع المثلین کالضدّین .

الجواب الأول عن الإشکال

فإنّه یقال: لا ضیر فی اتّصاف ما یقع عبادهً – لو کان مأموراً به – بالحرمه الذاتیّه ، مثلاً : صوم العیدین کان عبادهً منهیّاً عنها ، بمعنی أ نّه لو أُمر به کان عبادهً ، لا یسقط الأمر به إلّاإذا أُتی به بقصد القربه ، کصوم سائر الأیّام .

هذا فی ما إذا لم یکن ذاتاً عبادهً ، کالسجود للّٰه- تعالی – ونحوه ، وإلّا کان محرّماً مع کونه فعلاً عبادهً ، مثلاً: إذا نُهِی الجنبُ أو الحائض عن السجود له – تبارک وتعالی – ، کان عبادهً محرّمهً ذاتاً حینئذٍ؛ لما فیه من المفسده والمبغوضیّه فی هذا الحال .

[شماره صفحه واقعی : 258]

ص: 54


1- فی أوائل الأمر الثامن من هذا الفصل ؛ إذ قال : وکذا القسم الثانی ، بلحاظ أنّ جزء العباده عباده . راجع الصفحه : 256 .
2- کذا فی الأصل و « ن » . وفی سائر الطبعات : بها .
3- أثبتناها من « ر » ومنته الدرایه . وفی غیرهما : ویتأتّی .

الجواب الثانی مع أ نّه لا ضیر فی اتّصافه بهذه الحرمه مع الحرمه التشریعیّه ، بناءً علی أنّ الفعل فیها لا یکون فی الحقیقه متّصفاً بالحرمه ، بل إنّما یکون المتّصف بها ما هو من أفعال القلب ، کما هو الحال فی التّجرّی والانقیاد ، فافهم ، هذا .

الجواب الثالث مع أ نّه لو لم یکن النهی فیها دالّاً علی الحرمه لکان دالّاً علی الفساد؛ لدلالته علی الحرمه التشریعیّه ، فإنّه لا أقلّ من دلالته علی أ نّها لیست بمأمورٍ بها ، وإن عمّها إطلاق دلیل الأمر بها أو عمومه .

نعم ، لو لم یکن النهی عنها إلّاعَرَضاً ، کما إذا نهی عنها فی ما کانت ضدّاً لواجبٍ – مثلاً – لا یکون مقتضیاً للفساد ، بناءً (1) علی عدم اقتضاء الأمر بالشیء للنهی عن الضدّ إلّاکذلک – أی عَرَضاً – ، فیخصَّص به أو یقیَّد (2) .

المقام الثانی: فی المعاملات

النهی فی المعامله لایقتضی الفساد

ونخبه القول: أنّ النهی الدالّ علی حرمتها لا یقتضی الفساد؛ لعدم الملازمه فیها – لغهً ولا عرفاً – بین حرمتها وفسادها أصلاً : کانت الحرمه متعلّقهً بنفس

[شماره صفحه واقعی : 259]

ص: 55


1- ظاهره : – بمقتضی الأقربیّه – کونه علّه لعدم اقتضاء النهی العرضی للفساد ، لکنّه غیر سدید ؛ إذ لا علّیه فی النهی العرضی – الذی یقتضیه الأمر بالشیء – لعدم الفساد ، بل علّه عدم الفساد : عدم الملازمه بین النهی العرضی وبین الفساد ، فقوله : « بناءً علی عدم الاقتضاء » علّه لکون النهی عن ضدّ الواجب نهیاً عرضیّاً . فحقّ العباره أن تکون هکذا : « فی ما کانت ضدّاً لواجب مثلاً ، – بناءً علی عدم الاقتضاء للأمر بالشیء للنهی عن الضد إلّاکذلک ، أی : عرضاً – لا یکون مقتضیاً للفساد » . ( منته الدرایه 3 : 284 ) وراجع حقائق الأُصول 1 : 438 .
2- الظاهر : أنّ هذا فی أصل العباره واقع قبل قوله : نعم لو لم … . ( حقائق الأُصول 1 : 439 ) .

المعامله بما هی فعلٌ بالمباشره ، أو بمضمونها بما هو فعلٌ بالتسبیب ، أو بالتسبّب بها إلیه ، وإن لم یکن السبب ولا المسبَّب – بما هو فعل من الأفعال – بحرام .

وإنّما یقتضی الفساد فی ما إذا کان دالّاً علی حرمه ما لا یکاد یحرم مع صحّتها ، مثل النهی عن أکل الثمن أو المثمن فی بیع ، أو بیع شیءٍ .

نعم ، لا یبعد دعوی ظهور النهی عن المعامله فی الإرشاد إلی فسادها ، کما أنّ الأمر بها یکون ظاهراً فی الإرشاد إلی صحّتها ، من دون دلالته علی إیجابها أو استحبابها ، کما لا یخفی . لکنّه فی المعاملات بمعنی العقود والإیقاعات ، لا المعاملات بالمعنی الأعمّ المقابل للعبادات .

فالمعوّل هو : ملاحظه القرائن (1) فی خصوص المقامات ، ومع عدمها لا محیص عن الأخذ بما هو قضیّه صیغه النهی من الحرمه ، وقد عرفت أ نّها غیر مستتبعه للفساد لا لغهً ولا عرفاً .

توهّم دلاله الروایات علی الاقتضاء

نعم ، ربما یتوهّم (2) استتباعها له شرعاً من جهه دلاله غیر واحد من الأخبار علیه:

منها: ما رواه فی الکافی والفقیه عن زراره عن الباقر علیه السلام : سألته عن مملوکٍ تزوَّجَ بغیر إذن سیّده ، فقال: «ذاک إلی سیّده ، إن شاء أجازه وإن شاء

[شماره صفحه واقعی : 260]

ص: 56


1- هذا ینافی قوله : « نعم لا یبعد دعوی ظهور النهی عن المعامله فی الإرشاد إلی فسادها » فکیف یجعله متفرعاً علیه ؟ إذ مع الظهور لا حاجه إلی القرینه ، لیکون عند عدم القرینه محکوماً بالتحریم فقط ، إلّاأن یکون مراده : الاحتیاج إلی القرینه فی المعاملات بالمعنی الأعم ، لکن ینافیه ذیل العباره ، والتمسک لاستتباع الفساد شرعاً بأخبار نکاح العبد . ( نهایه النهایه 1 : 253 ) ، وراجع منته الدرایه 3 : 289 .
2- کما فی الفصول : 144 .

فرَّق بینهما » . قلت : – أصلحک اللّٰه تعالی – إنّ الحَکَم بن عُتَیبَه (1) وإبراهیمَ النَّخعیّ وأصحابَهما یقولون: «إنّ أصل النکاح فاسدٌ ولا یحلّ (2) إجازه السیّد له» . فقال أبو جعفر علیه السلام : «إنّه لم یعصِ اللّٰه ، إنّما عصی سیّده ، فإذا أجاز (3) فهو له جائز» (4)؛ حیث دلّ بظاهره علی (5) أنّ النکاح لو کان ممّا حرّمه اللّٰه – تعالی – علیه کان فاسداً .

الجواب عن التوهّم

ولا یخفی: أنّ الظاهر أن یکون المراد بالمعصیه المنفیّه هاهنا : أنّ النکاح لیس ممّا لم یُمضه اللّٰه ولم یُشرّعه کی یقع فاسداً ، ومن المعلوم استتباع المعصیه بهذا المعنی للفساد ، کما لا یخفی . ولابأس بإطلاق المعصیه علی عمل لم یمضه اللّٰه ولم یأذن به ، کما اطلق علیه بمجرّد عدم إذن السیّد فیه أ نّه معصیه (6)(7)* .

[شماره صفحه واقعی : 261]

ص: 57


1- فی الأصل و « ن » و « ر » : حکم بن عتبه . وفی حقائق الأُصول ومنته الدرایه : الحکم بن عیینه . وفی مصادر الحدیث وبعض طبعات الکتاب مثل ما أثبتناه .
2- فی الکافی : ولا تحلّ ، وفی الفقیه : فلا تحلّ .
3- فی المصدرین : أجازه .
4- الکافی 5 : 478 ، الفقیه 3 : 541 .
5- أثبتنا « علی » من « ر » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه .
6- ذکر هذا الجواب فی الفوائد الحائریه : 176 ، والقوانین 1 : 162 .
7- (*) وجه ذلک: أنّ العبودیّه تقتضی عدم صدور فعلٍ عن1) العبد إلّاعن أمر سیّده وإذنه؛ حیث إنّه کَلٌّ علیه لا یقدر علی شیءٍ ، فإذا استقلّ بأمرٍ کان عاصیاً ؛ حیث أتی بما ینافیه مقامُ عبودیّته ، لا سیّما مثل التزوّج الّذی کان خطیراً . وأمّا وجه أ نّه لم یعص اللّٰه فیه: فلأجل کون التزوّج بالنسبه إلیه أیضاً کان مشروعاً ماضیاً، غایته أ نّه یعتبر -1) فی « ن » وبعض الطبعات : عدم صدور العبد ، وأثبتنا الجمله کما وردت فی « ر » ومنته الدرایه .فی تحقّقه إذن سیّده ورضاه ، ولیس کالنکاح فی العدّه غیر مشروع من أصله ، فإذا أجاز ما صدر عنه بدون إذنه، فقد وجد شرط نفوذه، وارتفع محذور عصیانه، فعصیانه لسیّده. ( منه قدس سره ) .

وبالجمله: لو لم یکن ظاهراً فی ذلک ، لما کان ظاهراً فی ما تُوهّم .

وهکذا حال سائر الأخبار الوارده فی هذا الباب ، فراجع وتأمّل .

الکلام فی دلاله النهی علی الصحّه

تذنیب:

حُکی عن أبی حنیفه والشیبانیّ (1) : دلاله النهی علی الصحّه ، وعن الفخر (2) : أ نّه وافقهما فی ذلک .

والتحقیق (3)* : أ نّه فی المعاملات کذلک ، إذا کان عن المسبّب أو التسبیب (4) ؛

[شماره صفحه واقعی : 262]

ص: 58


1- انظر المستصفی : 222 ، والإحکام للآمدی 2 : 192 .
2- فخر المحقّقین نجل العلّامه الحلّی ، حکاه عنه الکلباسی فی إشارات الأُصول : 109 ، وانظر مطارح الأنظار 1 : 763 .
3- (*) ملخّصه: أنّ الکبری – وهی أنّ النهی حقیقهً إذا تعلّق بشیءٍ ذی أثر ، کان دالّاً علی صحّته وترتّب أثره علیه؛ لاعتبار القدره فی ما تعلّق به النهی کذلک – وإن کانت مسلّمه، إلّاأنّ النهی کذلک لا یکاد یتعلّق بالعبادات؛ ضرورهَ امتناع تعلّق النهی کذلک بما تعلّق به الأمر کذلک . وتعلّقه بالعبادات بالمعنی الأوّل وإن کان ممکناً ، إلّاأنّ الأثر1) المرغوب منها عقلاً أو شرعاً غیر مترتّب علیها مطلقاً ، بل علی خصوص ما لیس بحرام منها . وهکذا الحال فی المعاملات ، فإن کان الأثر فی معامله مترتّباً علیها ولازماً لوجودها ، کان النهی عنها دالّاً علی ترتّبه علیها؛ لما عرفت . ( منه قدس سره ) .
4- فی بعض الطبعات : التسبّب . – 1) أثبتناها من « ر » وفی غیرها : أثر .

لاعتبار القدره فی متعلّق النهی ، کالأمر ، ولا یکاد یقدر علیهما إلّافی ما کانت المعامله مؤثّرهً صحیحه .

وأمّا إذا کان عن السبب ، فلا؛ لکونه مقدوراً وإن لم یکن صحیحاً . نعم ، قد عرفت : أنّ النهی عنه لا ینافیها .

وأمّا العبادات: فما کان منها عبادهً ذاتیّه – کالسجود والرکوع والخشوع والخضوع له « تبارک وتعالی » – فمع النهی عنه یکون مقدوراً ، کما إذا کان مأموراً به . وما کان منها عبادهً لاعتبار قصد القربه فیه لو کان مأموراً به ، فلا یکاد یقدر علیه إلّاإذا قیل باجتماع الأمر والنهی فی شیءٍ ولو بعنوان واحد ، وهو محال . وقد عرفت : أنّ النهی فی هذا القسم إنّما یکون نهیاً عن العباده ، بمعنی أ نّه لو کان مأموراً به ، کان الأمر به أمرَ عباده لا یسقط إلّابقصد القربه ، فافهم .

[شماره صفحه واقعی : 263]

ص: 59

[شماره صفحه واقعی : 264]

ص: 60

المقصد الثالث :فی المفاهیم

اشاره

[شماره صفحه واقعی : 265]

ص: 61

[شماره صفحه واقعی : 266]

ص: 62

مقدّمه :
تعریف المفهوم

وهی: أنّ المفهوم – کما یظهر من موارد إطلاقه – هو عبارهٌ عن حکم إنشائیٍّ أو إخباریٍّ ، تستتبعه خصوصیّهُ المعنی الّذی أُرید من اللفظ بتلک الخصوصیّه ، ولو بقرینه الحکمه ، وکان یلزمه لذلک ، وافقه فی الإیجاب والسلب ، أو خالفه .

فمفهوم «إن جاءک زیدٌ فأکرمه» مثلاً – لو قیل به – قضیّهٌ شرطیّهٌ سالبهٌ بشرطها وجزائها ، لازمهٌ للقضیّه الشرطیّه الّتی تکون معنی القضیّه اللفظیّه ، ویکون لها خصوصیّهٌ ، بتلک الخصوصیّه کانت مستلزمهً لها .

فصحّ أن یقال: إنّ المفهوم إنّما هو حکمٌ غیر مذکور؛ لا أ نّه حکمٌ لغیر مذکور – کما فُسِّر به (1) – ، وقد وقع فیه النقض والإبرام بین الأعلام (2) ، مع أ نّه لا موقع له ، – کما أشرنا إلیه فی غیر مقام – ؛ لأنّه من قبیل شرح الاسم ، کما فی التفسیر اللغویّ .

ومنه قد انقدح حال غیر هذا التفسیر ممّا ذکر فی المقام ، فلا یهمّنا التصدّی

هل المفهوم من صفات المدلول أو الدلاله ؟

لذلک ، کما لا یهمّنا بیان أ نّه من صفات المدلول أو الدلاله؛ وإن کان بصفات المدلول أشبه ، وتوصیف الدلاله به – أحیاناً – کان من باب التوصیف بحال المتعلّق .

[شماره صفحه واقعی : 267]

ص: 63


1- کما عن العضدی فی شرح المختصر : 306 .
2- یراجع الفصول : 145 ، والقوانین 1 : 167 ، ومطارح الأنظار 2 : 12 – 18 .
موضع النزاع فی ثبوت المفهوم وعدمه

وقد انقدح من ذلک: أنّ النزاع فی ثبوت المفهوم وعدمه فی الحقیقه ، إنّما یکون فی أنّ القضیّه الشرطیّه أو الوصفیّه أو غیرهما ، هل تدلّ – بالوضع أو بالقرینه العامّه – علی تلک الخصوصیّه المستتبعه لتلک القضیّه الاُخری ، أم لا ؟

فصل : مفهوم الشرط
الملاک فی ثبوت المفهوم

الجمله الشرطیّه هل تدلّ علی الانتفاء عند الانتفاء – کما تدلّ علی الثبوت عند الثبوت بلا کلام – أم لا ؟ فیه خلاف بین الأعلام .

لاشبهه فی استعمالها وإراده الانتفاء عند الانتفاء فی غیر مقام ، إنّما الإشکال والخلاف فی أ نّه بالوضع أو بقرینه عامّه ، بحیث لابدّ من الحمل (1) علیه ، لو لم یقم علی خلافه قرینهٌ من حالٍ أو مقالٍ ؟

فلابدّ للقائل بالدلاله من إقامه الدلیل علی الدلاله – بأحد الوجهین – علی تلک الخصوصیّه المستتبعه لترتّب الجزاء علی الشرط ، نحو ترتّب المعلول علی علّته المنحصره .

وأمّا القائل بعدم الدلاله ففی فُسْحه؛ فإنّ له منعَ دلالتها علی اللزوم – بل علی مجرّد الثبوت عند الثبوت ، ولو من باب الاتّفاق – ، أو منعَ دلالتها علی الترتّب ، أو علی نحو الترتّب علی العلّه ، أو العلّه المنحصره ، بعد تسلیم اللزوم أو العلّیّه .

[شماره صفحه واقعی : 268]

ص: 64


1- فی « ر » : الجری .

لکن منع دلالتها علی اللزوم ، ودعوی کونِها اتفاقیّهً فی غایه السقوط؛ لانسباق اللزوم منها قطعاً .

وأمّا المنع عن أ نّه بنحو الترتّب علی العلّه – فضلاً عن کونها منحصره – فله مجالٌ واسعٌ .

الوجوه فی دلاله الجمله الشرطیّه علی انحصار العلّه :

1 – دعوی التبادر وما یرد علیها

ودعوی : تبادر اللزوم والترتّب بنحو الترتّب علی العلّه المنحصره – مع کثره استعمالها فی الترتّب علی نحو الترتّب علی غیر المنحصره منها ، بل فی مطلق اللزوم – بعیدهٌ ، عهدتُها علی مدّعیها .

کیف ؟ ولا یُری فی استعمالها فیهما (1) عنایهٌ ورعایهُ علاقهٍ ، بل إنّما تکون إرادتهما (2) – کإراده الترتّب علی العلّه المنحصره – بلا عنایه . کما یظهر علی من (3) أمعن النظر وأجال البصر (4) فی موارد الاستعمالات ، وفی عدم الإلزام والأخذ بالمفهوم فی مقام المخاصمات والاحتجاجات ، وصحّه الجواب ب : أ نّه لم یکن لکلامه مفهوم ، وعدم صحّته لو کان له ظهور فیه ، معلومٌ .

2 – دعوی الانصراف وما یرد علیها

وأمّا دعوی الدلاله ، بادّعاء انصراف إطلاق العلاقه اللزومیّه إلی ما هو أکمل أفرادها ، وهو اللزوم بین العلّه المنحصره ومعلولها ، ففاسده جدّاً؛ لعدم کون الأکملیّه موجبه للانصراف إلی الأکمل ، لا سیّما مع کثره الاستعمال فی غیره ، کما لا یکاد یخفی ، هذا .

[شماره صفحه واقعی : 269]

ص: 65


1- فی « ن » وبعض الطبعات الأُخری : فیها .
2- صُحّحت الکلمه فی الأصل بما أثبتنا أعلاه . وفی أکثر الطبعات : إرادته .
3- کذا ، والأولی : یظهر لمَن .
4- فی « ق » : البصیره .

مضافاً إلی منع کون اللزوم بینهما أکمل ممّا إذا لم تکن العلّه بمنحصره؛ فإنّ الانحصار لا یوجب أن یکون ذاک الربط الخاصّ – الّذی لابدّ منه فی تأثیر العلّه فی معلولها – آکدَ وأقوی .

3 – التمسّک بالإطلاق :

التقریب الأول وما یرد علیه

إن قلت: نعم ، ولکنّه قضیّه الإطلاق بمقدّمات الحکمه ، کما أنّ قضیّه إطلاق صیغه الأمر هو الوجوب النفسیّ .

قلت: أوّلاً: هذا فی ما تمّت هناک مقدّمات الحکمه ، ولا تکاد تتمّ فی ما هو مفاد الحرف ، کما هاهنا ، وإلّا لما کان معنی حرفیّاً ، کما یظهر وجهه بالتأمّل .

وثانیاً: تعیُّنُه من بین أنحائه بالإطلاق المسوق فی مقام البیان بلا معیِّن .

ومقایستُه مع تعیّن الوجوب النفسیّ بإطلاق صیغه الأمر مع الفارق؛ فإنّ النفسیّ هو الواجب (1) علی کلِّ حالٍ ، بخلاف الغیریّ ، فإنّه واجب علی تقدیرٍ دون تقدیر ، فیحتاج بیانه إلی مؤونه التقیید بما إذا وجب الغیر ، فیکون الإطلاق فی الصیغه مع مقدّمات الحکمه محمولاً علیه . وهذا بخلاف اللزوم والترتّب بنحو الترتّب علی العلّه المنحصره؛ ضروره أنّ کلّ واحد من أنحاء اللزوم والترتّب ، محتاج فی تعیّنه إلی القرینه مثل الآخر بلا تفاوت أصلاً ، کما لا یخفی .

التقریب الثانی والجواب عنه

ثمّ إنّه ربما یتمسّک للدلاله علی المفهوم بإطلاق الشرط ، بتقریب : أ نّه

[شماره صفحه واقعی : 270]

ص: 66


1- الأولی : تبدیله ب « الوجوب » ، کما أنّ تبدیل قوله : « واجب » به أولی ؛ لأنّ الکلام فی الوجوب ، لا الواجب . ( منته الدرایه 3 : 323 ) .

لولم یکن بمنحصر یلزم (1) تقییده؛ ضروره أ نّه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أ ثّر وحده (2) ، وقضیّهُ إطلاقه أ نّه یؤثّر کذلک مطلقاً .

وفیه: أ نّه لا تکاد تُنکَر الدلاله علی المفهوم مع إطلاقه کذلک ، إلّاأ نّه من المعلوم ندرهَ تحقّقه ، لولم نقل بعدم اتّفاقه .

فتلخّص – بما ذکرناه – : أ نّه لم ینهض دلیلٌ علی وضع مثل «إن» علی تلک الخصوصیّه المستتبعه للانتفاء عند الانتفاء ، ولم تقم علیها قرینه عامّه .

أمّا قیامها أحیاناً – کانت مقدّمات الحکمه أو غیرها – ممّا لا یکاد ینکر ، فلا یجدی القائل بالمفهوم : أ نّه قضیّه الإطلاق فی مقامٍ من باب الاتّفاق .

التقریب الثالث والجواب عنه

وأمّا توهُّم : أ نّه قضیّه إطلاق الشرط ، بتقریب: أنّ مقتضاه تعیّنُه ، کما أنّ مقتضی إطلاق الأمر تعیّنُ الوجوب .

ففیه: أنّ التعیّن لیس فی الشرط نحوٌ (3) ، یغایر نحوَه فی ما إذا کان متعدّداً ، کما کان فی الوجوب کذلک ، وکان الوجوب فی کلّ منهما متعلّقاً بالواجب بنحوٍ آخر ، لابدّ فی التخییریّ منهما من العِدل . وهذا بخلاف الشرط ،

[شماره صفحه واقعی : 271]

ص: 67


1- فی « ر » زیاده : علی المتکلّم .
2- ظاهره : أن الشرط فی صورتی التقارن وسبق الآخر یکون جزء السبب المؤثر ، ویکون المؤثر هو الجامع بینهما ، مع انه لیس کذلک ؛ لأنّ الأثر فی صوره السبق واللحوق یستند إلی السابق ، ویلغو اللاحق . فالصواب : إسقاط قوله : « أو سبقه الآخر » . ( منته الدرایه 3 : 325 ) .
3- کذا فی الأصل « ن » ، « ر » ، « ق » و « ش » ، وفی حقائق الأُصول ومنته الدرایه : نحواً .

فإنّه – واحداً کان أو متعدّداً – کان نحوُه واحداً ، ودخلُه فی المشروط بنحوٍ واحد ، لا تتفاوت الحال فیه ثبوتاً ، کی تتفاوت عند الإطلاق إثباتاً ، وکان الإطلاق مثبتاً لنحوٍ لا یکون له عِدْل؛ لاحتیاج ما لَه العِدل إلی زیادهِ مؤونهٍ ، وهو ذِکره بمثل : «أو کذا» .

واحتیاج ما إذا کان الشرط متعدّداً إلی ذلک إنّما یکون لبیان التعدّد ، لا لبیان نحو الشرطیّه . فنسبه إطلاق الشرط إلیه لاتختلف ، کان هناک شرط آخر أم لا ، حیث کان مسوقاً لبیان شرطیّته بلاإهمال ولا إجمال . بخلاف إطلاق الأمر؛ فإنّه لو لم یکن لبیان خصوص الوجوب التعیینیّ ، فلا محاله یکون فی مقام الإهمال أو الإجمال ، تأمّل تعرف . هذا .

مع أ نّه لو سلّم لا یُجدی القائل بالمفهوم؛ لما عرفت أ نّه لا یکاد ینکر فی ما إذا کان مفاد الإطلاق من باب الاتّفاق .

أدلّه المنکرین للمفهوم وما یرد علیها :

اشاره

ثمّ إنّه ربما استدلّ المنکرون للمفهوم بوجوه:

1 – إمکان نیابه شرط آخر عن الشرط المذکور فی القضیه

أحدها: ما عُزِی إلی السیّد (1) من أنّ تأثیر الشرط إنّما هو تعلیق الحکم به ، ولیس بممتنع أن یخلفه وینوب منابه شرطٌ آخر یجری مجراه ، ولا یخرج عن کونه شرطاً؛ فإنّ قوله تعالی: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهیدَیْنِ مِنْ رِجالِکُمْ » (2)یمنع من قبول الشاهد الواحد حتّی ینضمّ إلیه شاهد آخر ، فانضمام الثانی إلی الأوّل شرط فی القبول ، ثمّ علمنا: أنّ ضمّ امرأتین إلی الشاهد الأوّل شرط فی القبول ، ثمّ علمنا: أنّ ضمّ الیمین یقوم مقامه أیضاً . فنیابه بعض الشروط عن بعض أکثر

[شماره صفحه واقعی : 272]

ص: 68


1- الذریعه 1 : 406 .
2- البقره : 282 .

من أن تحصی ، مثل الحراره ؛ فإنّ انتفاء الشمس لا یلزم منه (1) انتفاء الحراره (2)؛ لاحتمال قیام النار مقامها . والأمثله لذلک کثیره شرعاً وعقلاً .

الجواب عنه

والجواب: أ نّه قدس سره إن کان بصدد إثبات (3) إمکان نیابه بعض الشروط عن بعض فی مقام الثبوت وفی الواقع ، فهو ممّا لا یکاد ینکر؛ ضروره أنّ الخصم یدّعی عدَمَ وقوعه فی مقام الإثبات ، ودلالهَ القضیّه الشرطیّه علیه .

وإن کان بصدد إبداء احتمال وقوعه ، فمجرّد الاحتمال لا یضرّه ، ما لم یکن بحسب القواعد اللفظیّه راجحاً أو مساویاً ، ولیس فی ما أفاده ما یثبت ذلک أصلاً ، کما لا یخفی .

2 – انتفاء الدلالات الثلاث عن المفهوم

ثانیها: ا نّه لو دلّ لکان بإحدی الدلالات ، والملازمه – کبطلان التالی – ظاهره .

الجواب عنه

وقد أُجیب عنه (4) بمنع بطلان التالی ، وأنّ الالتزام ثابت . وقد عرفت بما لا مزید علیه ما قیل أو یمکن أن یقال فی إثباته أو منعه ، فلا تغفل .

3 – الاستدلال بالآیه الشریفه

ثالثها: قوله تبارک وتعالی: «ولاتُکْرِهُوا فَتَیاتِکُمْ عَلیٰ الْبِغاءِ إِنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً » (5).

[شماره صفحه واقعی : 273]

ص: 69


1- أثبتنا کلمه « منه » من « ق » و « ش » .
2- فی « ش » ادرجت الجمله المثبته أعلاه فی الهامش نقلاً عن نسخه من الکتاب ، وجعل بدلها فی المتن هذه العباره : مثل الشمس ؛ فإنّ انتفاءها لا یستلزم انتفاء الحراره .
3- فی « ر » : بصدد بیان .
4- فی مطارح الأنظار 2 : 33 .
5- النور : 33 .

الجواب عنه

وفیه ما لا یخفی؛ ضروره أنّ استعمال الجمله الشرطیّه فی ما لا مفهوم له أحیاناً وبالقرینه لا یکاد ینکر ، کما فی الآیه وغیرها . وإنّما القائل به إنّما یدّعی ظهورها فی ما له المفهوم وضعاً أو بقرینهٍ عامّه ، کما عرفت .

بقی هاهنا أُمور :

1 – المفهوم هو انتفاء سنخ الحکم عند انتفاء الشرط

اشاره

الأمر الأوّل: أنّ المفهوم هو : انتفاء سنخ الحکم المعلّق علی الشرط عند انتفائه ، لا انتفاءُ شخصه (1)؛ ضروره انتفائه عقلاً بانتفاء موضوعه ولو ببعض قیوده ، فلا (2) یتمشّی الکلام فی أنّ للقضیّه الشرطیّه مفهوماً أو لیس لها مفهومٌ ، إلّا فی مقامٍ کان هناک ثبوت سنخ الحکم فی الجزاء ، وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممکناً . وإنّما وقع النزاع فی أنّ لها دلالهً علی الانتفاء عند الانتفاء ، أو لا یکون لها دلاله .

عدم کون الانتفاء عند الانتفاء فی الوصایا ونحوهامن المفهوم

ومن هنا انقدح : أ نّه لیس من المفهوم دلالهُ القضیّه (3) علی الانتفاء عند الانتفاء فی الوصایا والأوقاف والنذور والأیمان ، کما توهّم (4) ، بل عن الشهید

[شماره صفحه واقعی : 274]

ص: 70


1- فی « ر » : ولا إلی انتفاء شخصه .
2- أثبتناها من الأصل و « ر » ، وفی أکثر الطبعات : ولا .
3- أثبتنا الجمله کما هی فی « ر » ومنته الدرایه . وفی الأصل وأکثر الطبعات : لیس من المفهوم ودلاله القضیه . قال فی منته الدرایه 3 : 343 : فی بعض النسخ : « ودلاله » مع الواو ، فیکون معطوفاً علی المفهوم ومفسّراً له ، وهو مشکل ؛ إذ یلزم حینئذٍ خلوّ « لیس » عن الإسم … یراجع أیضاً نهایه النهایه 1 : 258 .
4- فی مطارح الأنظار 2 : 37 .

فی تمهید القواعد: أ نّه لا إشکال فی دلالتها علی المفهوم (1) .

وذلک لأنّ انتفاءها عن غیر ما هو المتعلّق لها ، – من الأشخاص الّتی تکون بألقابها ، أو بوصف شیءٍ ، أو بشرطه ، مأخوذهً فی العقد ، أو مثل العهد – لیس بدلاله الشرط أو الوصف أو اللقب علیه ، بل لأجل أ نّه إذا صار شیءٌ وقفاً علی أحدٍ ، أو اوصی به ، أو نُذر له – إلی غیر ذلک – لا یقبل أن یصیر وقفاً علی غیره أو وصیّهً أو نذراً له . وانتفاءُ شخص الوقف أو النذر أو الوصیّه عن غیر مورد المتعلّق ، قد عرفت أ نّه عقلیٌّ مطلقاً ، ولو قیل بعدم المفهوم فی موردٍ صالح له .

توهّم أنّ المعلّق علی الشرط هو شخص الحکم لا سنخه

إشکال ودفع :

لعلّک تقول: کیف یکون المناط فی المفهوم هو سنخ الحکم ، لا نفس شخص الحکم فی القضیّه ، وکان الشرط فی الشرطیّه إنّما وقع شرطاً بالنسبه إلی الحکم الحاصل بإنشائه دون غیره ؟ فغایه قضیّتها انتفاء ذاک الحکم بانتفاء شرطه ، لا انتفاء سنخه . وهکذا الحال فی سائر القضایا الّتی تکون مفیده للمفهوم (2) .

الجواب عن التوهّم

ولکنّک غفلت عن أنّ المعلّق علی الشرط إنّما هو نفس الوجوب الّذی

[شماره صفحه واقعی : 275]

ص: 71


1- تمهید القواعد: 14 .
2- ورد هذا الإشکال فی مطارح الأنظار 2 : 38 .

هو مفاد الصیغه ومعناها ، وأمّا الشخص والخصوصیّه الناشئه من قِبَل استعمالها فیه ، لا تکاد (1) تکون من خصوصیّات معناها المستعمله فیه ، کما لا یخفی ، کما لا تکون الخصوصیّه الحاصله من قِبَل الإخبار به ، من خصوصیّات ما اخبر به واستعمل فیه إخباراً لا إنشاءً .

وبالجمله: کما لا یکون المخبَر به المعلّق علی الشرط خاصّاً بالخصوصیّات الناشئه من قِبَل الإخبار به ، کذلک المُنشأ بالصیغه المعلّق علیه ، وقد عرفت بما حقّقناه فی معنی الحرف وشبهه (2): أنّ ما استعمل فیه الحرف عامّ کالموضوع له ، وأنّ خصوصیّه لحاظِه بنحو الآلیّه والحالیّه لغیره من خصوصیّه الاستعمال ، کما أنّ خصوصیّه لحاظ المعنی بنحو الاستقلال فی الاسم کذلک ، فیکون اللحاظ الآلیّ – کالاستقلالیّ – من خصوصیّات الاستعمال ، لا المستعمل فیه .

جواب الشیخ الأنصاری عن التوهّم والکلام فیه

وبذلک قد انقدح فساد ما یظهر من التقریرات (3) – فی مقام التفصّی عن هذا الإشکال – من التفرقه بین الوجوب الإخباریّ والإنشائیّ ، بأ نّه کلّیٌّ فی الأوّل وخاصٌّ فی الثانی ، حیث دفع الإشکال بأ نّه لا یتوجّه فی (4) الأوّل ؛ لکون الوجوب کلّیّاً (5) ، وعلی الثانی بأنّ ارتفاع مطلق الوجوب فیه من فوائد العلّیّه المستفاده من الجمله الشرطیّه؛ حیث کان ارتفاع شخص الوجوب لیس مستنداً إلی ارتفاع العلّه المأخوذه فیها ، فإنّه یرتفع ولو لم یوجد فی حیال أداه الشرط ، کما فی اللقلب والوصف .

وأُورد (6) علی ما تُفُصّی به عن الإشکال ، بما (7) ربما یرجع إلی ما ذکرنا

[شماره صفحه واقعی : 276]

ص: 72


1- کذا ، والأولی : « فلا تکاد » کما استظهره فی « ش » .
2- تقدّم ذلک فی الصفحه : 25 وما بعدها .
3- مطارح الأنظار 2 : 38 – 39 .
4- الأولی : تبدیل « فی » ب « علی » . ( منته الدرایه 3 : 351 ) .
5- حقّ العباره أن تکون هکذا : « حیث دفع الإشکال علی الأول بکون الوجوب کلّیاً … » . ( المصدر السابق : 350 ) .
6- فی مطارح الأنظار 2 : 39 .
7- الظاهر أنّ أصل العباره: « ممّا ربما » ؛ لیکون بیاناً لما تُفصّی. (حقائق الأُصول 1: 458).

بما حاصله: أنّ التفصّی لا یبتنی علی کلّیّه الوجوب ؛ لما أفاده . وکونُ الموضوع له فی الإنشاء عامّاً لم یقم علیه دلیل ، لو لم نقل بقیام الدلیل علی خلافه؛ حیث إنّ الخصوصیّات بأنفسها مستفاده من الألفاظ .

وذلک لما عرفت من أنّ الخصوصیّات فی الإنشاءات والإخبارات ، إنّما تکون ناشئه من الاستعمالات بلا تفاوتٍ أصلاً بینهما .

ولعمری لا یکاد ینقضی تعجّبی ، کیف تُجعل خصوصیّات الإنشاء من خصوصیّات المستعمل فیه ؟ مع أ نّها – کخصوصیّات الإخبار – تکون ناشئه من الاستعمال ، ولا یکاد یمکن أن یدخل فی المستعمل فیه ما ینشأ من قِبَل الاستعمال ، کما هو واضح لمن تأمّل .

2 – إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء فلابدّ من التصرّف فی ظهور الجمله

اشاره

الأمر الثانی: انّه إذا تعدّد الشرط مثل: «إذا خفی الأذانُ فقصِّر» و «إذا خفی الجدران فقصِّر» ، فبناءً علی ظهور الجمله الشرطیّه فی المفهوم ، لابدّ من التصرّف ورفع الید عن الظهور:

وجوه التصرّف فی الظهور

– إمّا بتخصیص مفهوم کلّ منهما بمنطوق الاُخری ، فیقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطین .

– وإمّا برفع الید عن المفهوم فیهما ، فلا دلاله لهما علی عدم مدخلیّه شیءٍ آخر فی الجزاء ، بخلاف الوجه الأوّل ، فإنّ فیهما الدلاله علی ذلک .

– وإمّا بتقیید إطلاق الشرط فی کلّ منهما بالآخر ، فیکون الشرط هو خفاء الأذان والجدران معاً ، فإذا خفیا وجب القصر ، ولا یجب عند انتفاء خفائهما ، ولو خفی أحدهما .

– وإمّا بجعل الشرط هو القدر المشترک بینهما ، بأن یکون تعدّد الشرط قرینه علی أنّ الشرط فی کلٍّ منهما لیس بعنوانه الخاصّ ، بل بما هو مصداق لما

[شماره صفحه واقعی : 277]

ص: 73

یعمّهما من العنوان .

مساعده العرف علی الوجه الثانی وحکم العقل بتعیین الوجه الرابع

ولعلّ العرف یساعد علی الوجه الثانی ، کما أنّ العقل ربما یعیّن هذا الوجه ، بملاحظه أنّ الأُمور المتعدّده – بما هی مختلفه – لا یمکن أن یکون کلّ منها (1) مؤثّراً فی واحد؛ فإنّه لابدّ من الربط الخاصّ بین العلّه والمعلول ، ولا یکاد یکون الواحد بما هو واحد مرتبطاً بالاثنین – بما هما إثنان – ، ولذلک أیضاً لا یصدر من الواحد إلّاالواحد .

فلابدّ من المصیر إلی أنّ الشرط فی الحقیقه واحد ، وهو المشترک بین الشرطین ، بعد البناء علی رفع الید عن المفهوم ، وبقاءِ إطلاق الشرط فی کلّ منهما علی حاله ، وإن کان بناء العرف والأذهان العامیّه علی تعدّد الشرط ، وتأثیر کلّ شرط بعنوانه الخاصّ ، فافهم (2) .

3 – إذا تعدّدالشرط واتّحد الجزاء فهل یلتزم بتعدّد الجزاء أم بتداخله ؟

اشاره

الأمر الثالث: إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء ، فلا إشکال علی الوجه الثالث . وأمّا علی سائر الوجوه ، فهل اللازم الإتیان (3) بالجزاء متعدّداً ، حَسَبَ تعدُّدِ الشروط ، أو یتداخل ، ویُکتفی بإتیانه دفعهً واحدهً ؟ فیه أقوال :

[شماره صفحه واقعی : 278]

ص: 74


1- فی « ر » و« ش » : کلّ منهما .
2- هنا زیاده مشطوبٌ علیها فی الأصل و « ن » ، ولکنها مثبتهٌ فی « ق » و « ش » ، وهی : «وأمّا رفع الید عن المفهوم فی خصوص أحد الشرطین وبقاء الآخر علی مفهومه ، فلا وجه لأن یصار إلیه ، إلّابدلیل آخر ، إلّاأن یکون ما أُبقی علی المفهوم أظهر ، فتدبّر جیّداً» . وقد علّق المصنف علیها بقوله : « ولازمه تقیید منطوقها بمفهوم الآخر ، فلا یکون عند ثبوت شرطها ثبوت الجزاء إلّاإذا کان شرط الآخر یلزم ثانیاً » . وفی نهایه الدرایه 2 : 422 تعقیباً علی الزیاده : « ضُرب علیه خطّ المحو فی النسخه المصحّحه ، ولعلّه أنسب » . أیضاً یراجع نهایه النهایه 1 : 263 .
3- فی الأصل وبعض طبعاته : فهل اللازم لزوم الإتیان . وفی « ر » وحقائق الأُصول ومنته الدرایه مثل ما أثبتناه .

والمشهور: عدم التداخل .

وعن جماعه – منهم المحقّق الخوانساریّ (1) – : التداخل .

وعن الحلّی (2) : التفصیل بین اتّحاد جنس الشروط وتعدّده .

التحقیق فی المسأله: ضروره التصرّف فی الشرط علی القول بالتداخل

والتحقیق: أ نّه لمّا کان ظاهر الجمله الشرطیّه حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه ، أو بکشفه عن سببه ، وکان قضیّته تعدّدَ الجزاء عند تعدّد الشرط ، کان الأخذُ بظاهرها – إذا تعدّد الشرط حقیقهً أو وجوداً – محالاً؛ ضروره أنّ لازمه أن تکون الحقیقه الواحده – مثل الوضوء – بما هی واحده – فی مثل : إذا بُلتَ فتوضّأ ، و : إذا نمتَ فتوضّأ ، أو فی ما إذا بال مکرّراً ، أو نام کذلک – محکوماً (3) بحکمین متماثلین ، وهو واضح الاستحاله کالمتضادّین .

فلابدّ علی القول بالتداخل من التصرّف فیه:

وجوه التصرّف فی الشرط –

إمّا بالالتزام بعدم دلالتها فی هذا الحال علی الحدوث عند الحدوث ، بل علی مجرّد الثبوت .

– أو الالتزامِ بکون متعلّق الجزاء وإن کان واحداً صورهً ، إلّاأ نّه حقائقُ متعدّده – حَسَبَ تعدّد الشرط – ، متصادقهٌ علی واحدٍ . فالذمّه وإن اشتغلت بتکالیفِ متعدّده حسب تعدّد الشروط ، إلّاأنّ الاجتزاء بواحد؛ لکونه مجمعاً لها ، کما فی : أکرِم هاشمیّاً وأضِف عالماً ، فأکرمَ العالمَ الهاشمیّ بالضیافه؛ ضروره أ نّه بضیافته بداعی الأمرین یصدق أ نّه امتثلهما ، ولا محاله یسقط الأمر بامتثاله

[شماره صفحه واقعی : 279]

ص: 75


1- مشارق الشموس : 61 .
2- السرائر 1 : 258 .
3- الصحیح : محکومه .

وموافقته ، وإن کان له امتثال کلّ منهما علی حده ، کما إذا أکرم الهاشمیَّ بغیر الضیافه ، وأضاف العالمَ غیرَ الهاشمیّ .

إن قلت: کیف یمکن ذلک – أی الامتثالُ بما تصادق علیه العنوانان – مع استلزامه محذورَ اجتماع الحکمین المتماثلین فیه ؟

قلت: انطباق عنوانین واجبین علی واحدٍ لا یستلزم اتّصافَه بوجوبین ، بل غایته أنّ انطباقهما علیه یکون منشئاً لاتّصافه بالوجوب ، وانتزاعِ صفته له .

مع أ نّه – علی القول بجواز الاجتماع – لا محذور فی اتّصافه بهما ، بخلاف ما إذا کان بعنوان واحد ، فافهم .

– أو الالتزامِ بحدوث الأثر عند وجود کلِّ شرطٍ ، إلّاأ نّه وجوب الوضوء فی المثال عند الشرط الأوّل ، وتأکُّدُ وجوبه عند الآخر .

ما یرد علی وجوه التصرّف فی الشرط

ولا یخفی: أ نّه لا وجه لأن یصار إلی واحدٍ منها؛ فإنّه رفع الید عن الظاهر بلا وجه . مع ما فی الأخیرین من الاحتیاج إلی إثبات أنّ متعلّق الجزاء متعدّدٌ متصادقٌ علی واحد ، وإن کان صورهً واحداً سمّی باسم واحدٍ کالغُسل ، وإلی إثبات أنّ الحادث بغیر الشرط الأوّل تأکُّدُ ما حدث بالأوّل ، ومجرّدُ الاحتمال لا یُجدی ، ما لم یکن فی البین ما یثبته .

إن قلت: وجه ذلک هو لزوم التصرّف فی ظهور الجمله الشرطیّه؛ لعدم إمکان الأخذ بظهورها ، حیث إنّ قضیّته اجتماع الحکمین فی الوضوء فی المثال ، کما مرّت الإشاره إلیه (1) .

قلت: نعم ، إذا لم یکن المراد بالجمله – فی ما إذا تعدّد الشرط ، کما فی

[شماره صفحه واقعی : 280]

ص: 76


1- آنفاً ، عند قوله : ضروره أنّ لازمه أن یکون الحقیقه الواحده مثل الوضوء … .

المثال – هو وجوب وضوءٍ (1) – مثلاً – بکلِّ شرطٍ غیر ما وجب بالآخر ، ولا ضیر فی کون فردٍ محکوماً بحکم فردٍ آخر أصلاً ، کما لا یخفی .

إن قلت: نعم ، لو لم یکن تقدیر تعدّد الفرد علی خلاف الإطلاق .

قلت: نعم ، لو لم یکن ظهور الجمله الشرطیّه فی کون الشرط سبباً أو کاشفاً عن السبب ، مقتضیاً لذلک – أی لتعدّد الفرد – ، وإلّا کان بیاناً (2) لما هو المراد من الإطلاق .

وبالجمله: لا دوران بین ظهور الجمله فی حدوث الجزاء وظهورِ الإطلاق؛ ضروره أنّ ظهور الإطلاق یکون معلّقاً علی عدم البیان ، وظهورَها فی ذلک صالحٌ لأن یکون بیاناً ، فلا ظهور له مع ظهورها ، فلا یلزم علی القول بعدم التداخل تصرّفٌ أصلاً ، بخلاف القول بالتداخل کما لا یخفی (3)* .

فتلخّص بذلک: أنّ قضیّه ظاهر الجمله الشرطیّه هو القول بعدم التداخل عند تعدّد الشرط .

[شماره صفحه واقعی : 281]

ص: 77


1- کذا فی الأصل ، « ن » و « ر » . وفی « ق » ، « ش » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه : وجوب الوضوء .
2- کذا فی الأصل وبعض الطبعات . وفی « ن » وبعض الطبعات الأُخری : لتعدّد الفرد وبیاناً .
3- (*) هذا واضحٌ بناءً علی مایظهر من شیخنا العلّامه : من کون ظهور الإطلاق معلّقاً علی عدم البیان مطلقاً ، ولو کان منفصلاً . وأمّا بناءً علی ما اخترناه فی غیر مقام – من أ نّه إنّما یکون معلّقاً علی عدم البیان فی مقام التخاطب، لا مطلقاً – فالدوران حقیقهً بین الظهورین حینئذٍ وإن کان ، إلّاأ نّه لا دوران بینهما حکماً؛ لأنّ العرف لایکاد یشکّ – بعد الإطّلاع علی تعدّد القضیّه الشرطیّه – أنّ قضیّته تعدّد الجزاء ، وأ نّه فی کلّ قضیّه وجوب فرد غیر ما وجب فی الاُخری ، کما إذا اتّصلت القضایا وکانت فی کلام واحد ، فافهم . ( منه قدس سره ) .
عدم ابتناء التداخل علی کون الأسباب الشرعیّه معرّفات

وقد انقدح ممّا ذکرناه: أنّ الُمجدی للقول بالتداخل هو أحد الوجوه الّتی ذکرناها ، لا مجرّد کون الأسباب الشرعیّه معرِّفات لا مؤثّرات .

فلا وجه لما عن الفخر (1) وغیره (2) من ابتناء المسأله علی أ نّها معرّفات أو مؤثّرات . مع أنّ الأسباب الشرعیّه حالها حال غیرها ، فی کونها معرّفات تارهً ، ومؤثّرات أُخری؛ ضروره أنّ الشرط للحکم الشرعیّ فی الجمل الشرطیّه ربما یکون ممّا له دخل فی ترتّب الحکم ، بحیث لولاه لما وجدت له علّه ، کما أ نّه فی الحکم غیر الشرعیّ قد یکون أماره علی حدوثه بسببه ، وإن کان ظاهر التعلیق أنّ له الدخل فیهما ، کما لا یخفی .

نعم ، لو کان المراد بالمعرِّفیّه فی الأسباب الشرعیّه : أ نّها لیست بدواعی الأحکام الّتی هی فی الحقیقه عللٌ لها ، وإن کان لها دخْلٌ فی تحقّق موضوعاتها ، بخلاف الأسباب غیرِ الشرعیّه ، فهو وإن کان له وجه ، إلّاأ نّه ممّا لا یکاد یتوهّم أ نّه یُجدی فی ما همّ و أراد .

التفصیل بین اختلاف الشروط بحسب الجنس وعدمه والجواب عنه

ثمّ إنّه لا وجه للتفصیل بین اختلاف الشروط بحسب الأجناس وعدمِه ، واختیار عدم التداخل فی الأوّل ، و التداخِل فی الثانی (3) ، إلّاتوهُّم عدم صحّه التعلّق (4) بعموم اللفظ فی الثانی؛ لأنّه من أسماء الأجناس ، فمع تعدّد أفراد شرط واحد لم یوجد إلّاالسبب الواحد ، بخلاف الأوّل؛ لکون کلّ منها سبباً ، فلا وجه لتداخلها .

[شماره صفحه واقعی : 282]

ص: 78


1- راجع إیضاح الفوائد 1 : 145 .
2- کالمحقّق النراقیّ فی عوائد الأیّام: 294 .
3- ذهب إلیه ابن إدریس الحلّی فی السرائر 1 : 144 – 145 و 258 .
4- فی « ر » : التعلیق .

وهو فاسد؛ فإنّ قضیّه إطلاق الشرط فی مثل : « إذا بُلت فتوضّأ » هو حدوث الوجوب عند کلّ مرّهٍ لو بال مرّات ، وإلّا فالأجناس المختلفه لابدّ من رجوعها إلی واحد ، فی ما جُعلت شروطاً وأسباباً لواحد؛ لما مرّت إلیه الإشاره (1) : من أنّ الأشیاء المختلفه بما هی مختلفه لا تکون أسباباً لواحد .

القول بالتداخل فی ما إذا لم یکن الموضوع قابلاً للتعدّد

هذا کلّه فی ما کان موضوع الحکم فی الجزاء قابلاً للتعدّد ، وأمّا إذا لم یکن قابلاً له (2) ، فلابدّ من تداخل الأسباب فی (3) ما لا یتأکّد المسبّب ، ومن التداخل فیه فی ما یتأکّد .

فصل : مفهوم الوصف
عدم ثبوت المفهوم للوصف

الظاهر : أ نّه لا مفهوم للوصف وما بحکمه مطلقاً؛ لعدم ثبوت الوضع، وعدمِ لزوم اللغویّه بدونه؛ لعدم انحصار الفائده به ، وعدمِ قرینه أُخری ملازمه له .

التفصیل بین ما کان الوصف علّه والذی لا یکون کذلک والإشکال علیه

وعلّیّته – فی ما إذا استفیدت – غیر مقتضیه له ، کما لا یخفی (4) . ومع کونها بنحو الانحصار وإن کانت مقتضیه له ، إلّاأ نّه لم یکن من مفهوم الوصف؛ ضروره أ نّه قضیّه العلّه الکذائیّه المستفاده من القرینه علیها فی خصوص مقام ،

[شماره صفحه واقعی : 283]

ص: 79


1- فی الأمر الثانی من تنبیهات هذا الفصل ، عند قوله : بملاحظه أنّ الأُمور المتعدّده بما هی مختلفه ، لا یمکن أن یکون کلّ منها مؤثّراً فی واحد . انظر الصفحه : 278 .
2- أثبتنا العباره من « ر » . وفی غیرها : وأ مّا ما لا یکون قابلاً لذلک .
3- فی « ق » و « ش » : الأسباب فیه فی … .
4- إشاره إلی التفصیل المنسوب إلی العلّامه الحلّی . راجع هدایه المسترشدین 2 : 498 ، ومفاتیح الأُصول : 220 .

وهو ممّا لا إشکال فیه ولا کلام ، فلا وجه لجعله تفصیلاً فی محلّ النزاع ، ومورداً للنقض والإبرام .

ولا ینافی (1) ذلک ما قیل من أنّ الأصل فی القید أن یکون احترازیّاً؛ لأنّ الاحترازیّه لا توجب إلّاتضییق دائره موضوع الحکم فی القضیّه، مثل ما إذا کان هذا الضیق (2) بلفظ واحد . فلا فرق أن یقال: جئنی بإنسان ، أو : بحیوان ناطق .

کما أ نّه لا یلزم من (3) حمل المطلق علی المقیّد – فی ما وُجد شرائطه – إلّاذلک ، من دون حاجهٍ فیه إلی دلالته علی المفهوم (4)؛ فإنّ (5) من المعلوم أنّ قضیّه الحمل لیس إلّاأنّ المراد بالمطلق هو المقیّد ، وکأ نّه لا یکون فی البین غیره . بل ربما قیل (6): إنّه لا وجه للحمل لو کان بلحاظ المفهوم ؛ فإنّ ظهوره فیه لیس بأقوی من ظهور المطلق فی الإطلاق کی یحمل علیه ، لو لم نقل بأ نّه الأقوی ؛ لکونه بالمنطوق ، کما لا یخفی .

الاستدلال علی عدم دلاله الوصف علی المفهوم والإیراد علیه

وأمّا الاستدلال علی ذلک – أی: عدمِ الدلاله علی المفهوم – بآیه « وَ رَبٰائِبُکُمُ اللاّٰتِی فِی حُجُورِکُمْ » (7)، ففیه: أنّ الاستعمال فی غیره أحیاناً مع القرینه ممّا لا یکاد ینکر ، کما فی الآیه قطعاً .

[شماره صفحه واقعی : 284]

ص: 80


1- ذکر المحقّق التّقی توهّم هذه المنافاه وأجاب عنه . انظر هدایه المسترشدین 2 : 471 .
2- أدرجنا ما هو المثبت فی « ر » . وفی الأصل وبقیه الطبعات : بهذا الضیق .
3- أثبتنا « من » من « ر » ، وفی غیرها : فی حمل .
4- إشاره إلی أمر آخر یتوهّم إیجابه للمفهوم ، منسوب إلی الشیخ البهائی . انظر هدایه المسترشدین 2 : 473 ومطارح الأنظار 2 : 82 – 83 .
5- فی غیر « ر » ومنته الدرایه : فإنّه .
6- فی مطارح الأنظار 2 : 83 .
7- النساء : 23 .

مع أ نّه یعتبر فی دلالته علیه – عند القائل بالدلاله – أن لا یکون وارداً مورد الغالب – کما فی الآیه – ، ووجهُ الاعتبار واضح؛ لعدم دلالته معه علی الاختصاص ، وبدونها لا یکاد یتوهّم دلالته علی المفهوم ، فافهم .

جریان النزاع فی الوصف الأخص

تذنیبٌ:

لا یخفی أ نّه لا شبهه فی جریان النزاع فی ما إذا کان الوصف أخصّ من موصوفه ولو من وجهٍ ، فی مورد الافتراق من جانب الموصوف .

الإشکال فی جریان النزاع فی مورد انتفاء الوصف والموصوف

وأمّا فی غیره: ففی جریانه إشکالٌ، أظهره عدم جریانه . وإن کان یظهر ممّا عن بعض الشافعیّه (1) – حیث قال: قولنا: فی الغنم السائمه زکاهٌ ، یدلّ علی عدم الزکاه فی معلوفه الإبل – جریانُه فیه، ولعلّ وجهه استفاده العلّیّه المنحصره منه .

وعلیه فیجری فی ما کان الوصف مساویاً أو أعمّ مطلقاً أیضاً ، فیدلّ علی انتفاء سنخ الحکم عند انتفائه ، فلا وجه فی التفصیل بینهما وبین ما إذا کان أخصّ من وجهٍ ، – فی ما إذا کان الافتراق من جانب الوصف (2) – بأ نّه لا وجه للنزاع فیهما ، معلّلاً بعدم الموضوع ، واستظهارِ جریانه من بعض الشافعیّه فیه (3) ، کما لا یخفی ، فتأمّل جیّداً .

[شماره صفحه واقعی : 285]

ص: 81


1- انظر المنخول ( للغزالی ) : 297 .
2- قد عبّر فی التقریرات ( مطارح الأنظار 2 : 80 ) أیضاً ، والظاهر أنه سهو من القلم ؛ إذ افتراقه فی الإبل السائمه ، ولا إشکال فی عدم جریان النزاع فیه من جهه الوصف ، والمراد : ما لم یصدق علیه واحد من الموصوف والصفه ، وهی الإبل المعلوفه … ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 323 ) .
3- تعریض بالتفصیل الوارد فی مطارح الأنظار 2 : 80 – 81 . قال فی نهایه النهایه 1 : 269 : ولو راجعته لعلمت أنّ التعریض فی غیر محلّه ؛ لوقوع التصریح فیه بعدم الوجه للنزاع فی الجمیع . نعم ، أفاد أوّلاً عدم الجریان فی قسمین منه ، وأخّر بیان عدم الجریان فی الثالث ، قاصداً الردّ علی الشافعی الظاهر منه الجریان .
فصل : مفهوم الغایه
الخلاف فی ثبوت مفهوم الغایه

هل الغایه فی القضیّه تدلّ علی ارتفاع الحکم عمّا بعد الغایه – بناءً علی دخول الغایه فی المغیّا – أو عنها وبعدها – بناءً علی خروجها – أو لا ؟

فیه خلافٌ . وقد نُسب إلی المشهور : الدلالهُ علی الارتفاع (1) ، وإلی جماعه – منهم : السیّد (2) والشیخ (3) – : عدم الدلاله علیه .

دلاله الغایه علی المفهوم إذا کانت قیداً للحکم

والتحقیق: أ نّه إذا کانت الغایه بحسب القواعد العربیّه قیداً للحکم ، – کما فی قوله علیه السلام : «کلُّ شیءٍ حلالٌ حتّی تعرف أ نّه حرامٌ» (4) ، و : «کلُّ شیءٍ طاهرٌ حتّی تعلم أ نّه قَذِر» (5) – کانت دالّهً علی ارتفاعه عند حصولها (6)؛ لانسباق ذلک منها ، کما لا یخفی ، وکونِهِ قضیّه تقییده بها ، وإلّا لما کان (7) ما جُعل غایهً له بغایهٍ ، وهو واضح إلی النهایه .

عدم دلاله الغایه

وأمّا إذا کانت بحسبها قیداً للموضوع – مثل : سِر من البصره إلی الکوفه –

[شماره صفحه واقعی : 286]

ص: 82


1- کما فی مطارح الأنظار 2 : 98 .
2- الذریعه 1 : 407 – 408
3- عدّه الأُصول 2 : 478 .
4- وسائل الشیعه 17 : 88 ، الباب 4 من أبواب ما یکتسب به ، الحدیث الأول .
5- أرسله الصدوق فی المقنع : 5 ، وفیه : إلّاما علمت .
6- فی « ر » : حصولهما .
7- أثبتناها من حقائق الأُصول ومنته الدرایه . وفی غیرهما : لما کانت .
علی المفهوم إذا کانت قیداً للموضوع

فحالها حال الوصف فی عدم الدلاله ، وإن کان تحدیده بها بملاحظه حکمه ، وتعلُّق الطلب به ، وقضیّته لیس إلّاعدم الحکم فیها إلّابالمغیّا ، من دون دلاله لها أصلاً علی انتفاء سنخه عن غیره؛ لعدم ثبوت وضع لذلک ، وعدمِ قرینه ملازمه لها – ولو غالباً – دلّت علی اختصاص الحکم به . وفائدهُ التحدید بها – کسائر أنحاء التقیید – غیر منحصره بإفادته ، کما مرّ فی الوصف (1) .

هل الغایه داخله فی المغیّا أم لا ؟

ثمّ إنّه فی الغایه خلاف آخر – کما أشرنا إلیه – ، وهو أ نّها هل هی داخله فی المغیّا بحسب الحکم ، أو خارجه عنه ؟

والأظهر: خروجها؛ لکونها من حدوده، فلا تکون محکومه بحکمه. ودخوله (2) فیه فی بعض الموارد إنّما یکون بالقرینه . وعلیه تکون کما بعدها بالنسبه إلی الخلاف الأوّل ، کما أ نّه علی القول الآخر تکون محکومهً بالحکم منطوقاً .

ثمّ لا یخفی : أنّ هذا الخلاف لا یکاد یعقل جریانه فی ما إذا کانت (3) قیداً للحکم ، فلا تغفل (4)* .

[شماره صفحه واقعی : 287]

ص: 83


1- إذ قال فی بدایه البحث عنه : لا مفهوم للوصف … لعدم انحصار الفائده به .
2- کذا فی الأصل وطبعاته والصحیح : « دخولها » کما استظهر فی « ش » .
3- أثبتنا المصحّح من الأصل ، وفی طبعاته : کان .
4- (*) حیث إنّ المغیّا حینئذٍ هو نفس الحکم ، لا المحکوم به لیصحّ أن ینازع فی دخول الغایه فی حکم المغیّا ، أو خارج عنه1) ، کما لا یخفی . نعم ، یعقل أن ینازع فی أنّ الظاهر هل هو انقطاع الحکم المغیّا بحصول غایته الاصطلاحیّ2) – أی مدخول « إلی » أو « حتّی » – أو استمراره فی تلک الحال ؟ ولکن الأظهر هو انقطاعه ، فافهم واستقم . ( منه قدس سره ) . – 1) کذا فی الأصل وأکثر طبعاته . وفی « ر » : أو خارجاً . والأنسب : أو خروجها عنه . 2) فی « ق » و « ش » : غایته فی الاصطلاح .
فصل : مفهوم الحصر
مفاد أدوات الاستثناء

لا شبهه فی دلاله الاستثناء علی اختصاص الحکم – سلباً أو إیجاباً – بالمستثنی منه ، ولا یعمّ المستثنی . ولذلک یکون الاستثناء من النفی إثباتاً ، ومن الإثبات نفیاً ؛ وذلک للانسباق عند الإطلاق قطعاً .

فلا یُعبأ بما عن أبی حنیفه من عدم الإفاده (1) ، محتجّاً بمثل: «لا صلاه إلّا بطهور» (2) .

ضروره ضعف احتجاجه:

أوّلاً : بکون المراد من مثله (3)* : أ نّه لا تکون الصلاه الّتی کانت واجدهَ لأجزائها وشرائطها المعتبره فیها صلاهً إلّاإذا کانت واجدهً للطهاره ، وبدونها لا تکون صلاهً علی وجهٍ ، وصلاهً تامّهً مأموراً بها علی آخر .

وثانیاً : بأنّ الاستعمال مع القرینه – کما فی مثل الترکیب ، ممّا عُلم فیه الحال – لا دلاله له علی مدّعاه أصلاً ، کما لا یخفی .

مفاد کلمه التوحید

ومنه قد انقدح: أ نّه لا موقع للاستدلال علی المدّعی بقبول رسول اللّٰه صلی الله علیه و آله إسلامَ من قال کلمه التوحید (4)؛ لإمکان دعوی أنّ دلالتها علی التوحید

[شماره صفحه واقعی : 288]

ص: 84


1- راجع المحصول 3 : 29 ، والإحکام للآمدی 2 : 308 .
2- وسائل الشیعه 1 : 315 ، الباب 9 من أبواب أحکام الخلوه ، الحدیث الأوّل .
3- (*) بل المراد من مثله فی المستثنی منه نفی الإمکان ، وأ نّه لا یکاد یکون بدون المستثنی ، وقضیّته لیس إلّاإمکان ثبوته معه ، لا ثبوته فعلاً ؛ لما هو واضح لمن راجع أمثاله من القضایا العرفیّه . ( منه قدس سره ) .
4- استدلّ بذلک صاحب الفصول فی فصوله : 195 والشیخ الأعظم الأنصاری علی ما فی مطارح الأنظار 2 : 106 .

کان بقرینه الحال أو المقال (1) .

والإشکال (2) فی دلالتها علیه : بأنّ خبر «لا» : إمّا یقدّر : «ممکن» ، أو : «موجود» ، وعلی کلّ تقدیر لا دلاله لها علیه :

أمّا علی الأوّل: فلأ نّه (3) حینئذٍ لا دلاله لها إلّاعلی إثبات إمکان وجوده – تبارک وتعالی – ، لا وجوده .

وأمّا علی الثانی: فلأ نّها وإن دلّت علی وجوده – تعالی – ، إلّاأ نّه لا دلاله لها علی عدم إمکان إلٰهٍ آخر .

مندفعٌ : بأنّ المراد من الإله هو واجب الوجود ، ونفیُ ثبوته ووجوده فی الخارج ، وإثباتُ فردٍ منه فیه – وهو اللّٰه – یدلّ بالملازمه البیّنه علی امتناع تحقّقه فی ضمن غیره – تبارک وتعالی – ؛ ضروره أ نّه لو لم یکن ممتنعاً لوُجد؛ لکونه من أفراد الواجب .

هل دلاله الاستثناء علی الانتفاء بالمنطوق أم بالمفهوم ؟

ثمّ إنّ الظاهر : أنّ دلاله الاستثناء علی الحکم فی طرف المستثنی بالمفهوم ، وأ نّه لازمُ خصوصیّه الحکم فی جانب المستثنی منه الّتی دلّت علیها الجمله الاستثنائیّه .

نعم ، لو کانت الدلاله فی طرفه بنفس الاستثناء ، – لابتلک الجمله – ، کانت بالمنطوق ، کما هو لیس ببعید ، وإن کان تعیین ذلک لا یکاد یفید .

[شماره صفحه واقعی : 289]

ص: 85


1- هذه الدعوی جعلها فی مطارح الأنظار 2 : 106 فی غایه السخافه .
2- الإشکال والجواب عنه مذکوران فی مطارح الأنظار 2 : 107 – 108 .
3- أثبتناها من مصحّح « ن » . وفی الأصل وسائر الطبعات : « فإنّه » . والأنسب : « فلأ نّها » کتالیها .
دلاله « إنّما » علی الحصر

وممّا یدلّ علی الحصر والاختصاص : «إنّما» ؛ وذلک لتصریح أهل اللغه بذلک (1) ، وتبادرِه منها قطعاً عند أهل العرف والمحاوره .

ودعوی : «أنّ الإنصاف أ نّه لا سبیل لنا إلی ذلک؛ فإنّ موارد استعمال هذه اللفظه مختلفه ، ولا یعلم بما هو مرادف لها فی عرفنا ، حتّی یستکشف منها ما هو المتبادر منها» (2) .

غیر مسموعه؛ فإنّ السبیل إلی التبادر لا ینحصر بالانسباق إلی أذهاننا؛ فإنّ الانسباق إلی أذهان أهل العرف أیضاً سبیلٌ .

مفاد کلمه «بل» الإضرابیه

وربما یُعدّ ممّا دلّ علی الحصر کلمه : «بل» الإضرابیّه .

والتحقیق: أنّ الإضراب علی أنحاء:

منها: ما کان لأجل أنّ المُضرَب عنه إنّما أتی به غفلهً ، أو سَبقَه به لسانُه ، فیضرب بها عنه إلی ماقصد بیانه ، فلا دلاله له علی الحصر أصلاً ، فکأ نّه أتی بالمُضرَب إلیه ابتداءً ، کما لا یخفی .

ومنها: ما کان لأجل التأکید ، فیکون ذکر المُضرَب عنه کالتوطئه والتمهید لذکر المُضرَب إلیه ، فلا دلاله له علیه أیضاً .

ومنها: ما کان فی مقام الردع وإبطال ما أثبت أوّلاً ، فیدلّ علیه* ، وهو واضح (3) .

[شماره صفحه واقعی : 290]

ص: 86


1- راجع تاج العروس 9 : 129 .
2- هذا ما ادّعاه فی مطارح الأنظار 2 : 110 .
3- إذا کان بصدد الردع عنه ثبوتاً . وأمّا إذا کان بصدده إثباتاً – کما إذا کان مثلاً بصدد بیان أ نّه إنّما أثبته أوّلاً بوجهٍ لا یصحّ معه الإثبات اشتباهاً(1) – فلا دلاله له علی الحصر أیضاً ، فتأمّل جیّداً . ( منه قدس سره ) . (1)فی « ر » ومنته الدرایه زیاده : منه .
دلاله المسند إلیه المعرّف باللام

وممّا یفید الحصر – علی ما قیل (1) – تعریف المسند إلیه باللام .

والتحقیق: أ نّه لا یفیده إلّافی ما اقتضاه المقام؛ لأنّ الأصل فی اللام أن تکون لتعریف الجنس ، کما أنّ الأصل فی الحمل – فی القضایا المتعارفه – هو الحمل المتعارف ، الّذی ملاکه مجرّد الاتّحاد فی الوجود ، فإنّه الشائع فیها ، لا الحمل الذاتیّ ، الّذی ملاکه الاتّحاد بحسب المفهوم ، کما لا یخفی . وحمل شیءٍ علی جنسٍ وماهیّهٍ کذلک، لا یقتضی اختصاص تلک الماهیّه به وحصرها علیه .

نعم ، لو قامت قرینه علی أنّ اللام للاستغراق ، أو أنّ مدخوله أُخذ بنحو الإرسال والإطلاق ، أو علی أنّ الحمل علیه کان ذاتیّاً ، لاُفید حَصْرُ مدخوله علی محموله واختصاصُه به .

وقد انقدح بذلک : الخلل فی کثیرٍ من کلمات الأعلام فی المقام ، وما وقع منهم من النقض والإبرام . ولانطیل بذکرها ، فإنّه بلاطائل ، کما یظهر للمتأمّل ، فتأمّل جیّداً .

فصل مفهوم اللقب والعدد

لا دلاله للّقب ولا للعدد علی المفهوم ، وانتفاءِ سنخ الحکم عن غیر موردهما أصلاً . وقد عرفت (2) : أنّ انتفاء شخصه لیس بمفهوم .

[شماره صفحه واقعی : 291]

ص: 87


1- راجع المطوّل : 145 – 146 والقوانین 1 : 190 .
2- فی أوّل مبحث المفاهیم .

کما أنّ قضیّه التقیید بالعدد منطوقاً عدمُ جواز الاقتصار علی ما دونه؛ لأ نّه لیس بذاک الخاصّ والمقیّد .

وأمّا الزیاده فکالنقیصه ، إذا کان التقیید به للتحدید بالإضافه إلی کلا طرفیه .

نعم ، لو کان لمجرّد التحدید بالنظر إلی طرفه الأقلّ ، لما کان فی الزیاده ضیرٌ أصلاً ، بل ربما کان فیها فضیله وزیاده ، کما لا یخفی .

وکیف کان ، فلیس عدم الاجتزاء (1) بغیره من جهه دلالته علی المفهوم ، بل إنّما یکون لأجل عدم الموافقه مع ما أُخذ فی المنطوق ، کما هو معلوم .

[شماره صفحه واقعی : 292]

ص: 88


1- فی « ر » : الإجزاء .

المقصد الرابع : فی العامّ والخاصّ

اشاره

[شماره صفحه واقعی : 293]

ص: 89

[شماره صفحه واقعی : 294]

ص: 90

فصل : تعریف العامّ وأقسامه
تعریف العامّ

قد عُرِّف العامّ بتعاریف ، وقد وقع من الأعلام فیها النقض – بعدم الاطّراد تارهً ، والانعکاسِ أُخری – بما لا یلیقُ بالمقام؛ فإنّها تعاریف لفظیّه تقع فی جواب السؤال عنه ب «ما » الشارحه ، لا واقعه (1) فی جواب السؤال عنه ب «ما » الحقیقیّه . کیف ؟ وکان المعنی المرکوز منه فی الأذهان أوضح ممّا عُرِّف به مفهوماً ومصداقاً ، ولذا یجعل صدقُ ذاک المعنی علی فردٍ وعدمُ صدقه ، المقیاسَ فی الإشکال علیها بعدم الاطّراد أو الانعکاس ، بلا ریب فیه ، ولا شبهه تعتریه من أحد ، والتعریفُ لابدّ أن یکون بالأجلی ، کما هو أوضح من أن یخفی .

فالظاهر : أنّ الغرض من تعریفه إنّما هو بیان ما یکون بمفهومه جامعاً بین ما لا شبهه فی أ نّها أفراد العامّ ، لیشار به إلیه فی مقام إثبات ما له من الأحکام ، لا بیانُ ما هو حقیقته وماهیّته؛ لعدم تعلُّق غرضٍ به – بعدَ وضوح ما هو محلّ الکلام بحسب الأحکام من أفراده ومصادیقه – ؛ حیث لا یکون

[شماره صفحه واقعی : 295]

ص: 91


1- الأولی : إسقاط کلمه « واقعه » ؛ لعدم الحاجه إلیها . ( منته الدرایه 3 : 451 ) .

بمفهومه العامّ (1) محلّاً لحکم من الأحکام .

أقسام العامّ بحسب عروض الحکم علیه

ثمّ الظاهر : أنّ ما ذُکِر له من الأقسام – من الاستغراقیّ والمجموعیّ والبدلیّ – إنّما هو باختلاف کیفیّه تعلّق الأحکام به (2)* ، وإلّا فالعموم فی الجمیع بمعنی واحد ، وهو: شمول المفهوم لجمیع ما یصلح أن ینطبق (3) علیه . غایه الأمر أنّ تعلُّقَ الحکم به :

تارهً بنحوٍ یکون کلُّ فردٍ موضوعاً علی حده للحکم .

وأُخری بنحوٍ یکون الجمیع موضوعاً واحداً ، بحیث لو أخلّ بإکرام واحدٍ فی : « أکرم کلّ فقیه » – مثلاً – لَما امتثل أصلاً ، بخلاف الصوره الأُولی ، فإنّه أطاع وعصی .

وثالثهً بنحوٍ یکون کلّ واحدٍ موضوعاً علی البدل ، بحیث لو أکرم واحداً منهم لقد (4) أطاع وامتثل ، کما یظهر لمن أمعن النظر وتأمّل .

[شماره صفحه واقعی : 296]

ص: 92


1- الظاهر استدراکه ( العامّ ) لکفایه قوله : « بمفهومه » فی الوفاء بالمقصود .. ( منته الدرایه 3 : 456 ) . وفی « ر » : بمفهوم العام .
2- (*) إن قلت: کیف ذلک ؟ ولکلّ واحد منها لفظ غیر ما للآخر ، مثل «أیّ رجل» للبدلیّ ، و «کلّ رجل» للاستغراقیّ . قلت: نعم، ولکنّه لا یقتضی أن تکون هذه الأقسام له، ولو1) بملاحظه اختلاف کیفیّه تعلّق الأحکام؛ لعدم إمکان تطرّق هذه الأقسام إلّابهذه الملاحظه ، فتأمّل جیّداً . ( منه قدس سره ) .
3- الظاهر : أنّ الصواب : دخول اللام علی « أن » ؛ لأنّ « یصلح » لازم ، و « أن ینطبق » مفعول له ، فلابدّ من تعدیته بحرف الجرّ … ( منته الدرایه 3 : 459 ) .
4- الأولی : فقد .1) فی « ر » : لا .
أسماء الأعداد لیست من أفراد العام

وقد انقدح: أنّ مثل شمول «عشره» وغیرها (1) لآحادها المندرجه تحتها لیس من العموم؛ لعدم صلاحیّتها بمفهومها للانطباق علی کلّ واحدٍ منها ، فافهم .

فصل : هل للعموم صیغه تخصّه أم لا ؟
اشاره

لا شبهه فی أنّ للعموم صیغهٌ تخصّه – لغهً وشرعاً (2) – ، کالخصوص ، کما یکون ما یشترک بینهما ویعمّهما (3)؛ ضروره أنّ مثل لفظ «کلّ» وما یرادفه – فی أیّ لغهٍ کان – یخصّه ، ولا یخصّ الخصوص ولا یعمّه .

ولا ینافی اختصاصه به استعمالُه فی الخصوص عنایهً ، بادّعاء أ نّه العموم ، أو بعلاقه العموم والخصوص .

دعوی وضع« کلّ » ومایرادفها للخصوص والکلام فیها

ومعه لا یُصغی إلی أنّ إراده الخصوص متیقّنه ولو فی ضمنه ، بخلافه ، وجعْلُ اللفظ حقیقهً فی المتیقّن أولی .

ولا إلی أنّ التخصیص قد اشتهر وشاع حتّی قیل: ما من عامّ إلّاوقد خصّ ، والظاهر یقتضی کونه حقیقهً لما هو الغالب ، تقلیلاً للمجاز (4) .

[شماره صفحه واقعی : 297]

ص: 93


1- فی « ر » زیاده : کالعقود الأُخر .
2- إشاره إلی النزاع بین الأُصولیین فی أ نّه هل للعموم صیغه تخصّه أم لا ؟ انظر الفصول: 161.
3- لا توجد کلمه « ویعمّهما » فی « ر » .
4- قال فی الفصول : 161 : « حجّهُ مَن جعلها حقیقه فی الخصوص فقط أمران … » وذکر الوجهین المدرجین فی المتن . وأفاد الآمدی فی الإحکام 2 : 201 الوجه الأول منهما لإثبات الاختصاص ، وهو مختاره .

مع أنّ تیقّن إرادته لایوجب اختصاص الوضع به (1) ، مع کون العموم کثیراً مّا یراد .

واشتهارَ التخصیص لا یوجب کثره المجاز؛ لعدم الملازمه بین التخصیص والمجازیّه ، کما یأتی توضیحه (2) ، ولو سلّم فلا محذور فیه أصلاً إذا کان بالقرینه ، کما لا یخفی .

فصل : الألفاظ الدالّه علی العموم
دلاله النکرهفی سیاق النفی أو النهی علی العموم

ربما عُدّ من الألفاظ الدالّه علی العموم : النکرهُ فی سیاق النفی أو النهی .

ودلالتها علیه لا ینبغی أن تنکر عقلاً؛ لضروره أ نّه لا یکاد یکون (3) طبیعهٌ معدومهً إلّاإذا لم یکن فردٌ منها بموجود ، وإلّا کانت موجوده .

لکن لا یخفی: أ نّها تفیده إذا أُخذت مرسلهً (4)* – لا مبهمه – قابلهً للتقیید ، وإلّا فسلبها لا یقتضی إلّااستیعابَ السلب لما أُرید منها یقیناً ، لا استیعابَ ما یصلح انطباقها علیه (5) من أفرادها .

[شماره صفحه واقعی : 298]

ص: 94


1- فی « ر » : له .
2- فی الفصل الآتی .
3- فی « ر » : لا یکون .
4- (*) وإحراز الإرسال فی ما اضیفت إلیه إنّما هو بمقدّمات الحکمه ، فلولاها کانت مهمله ، وهی لیست إلّابحکم الجزئیّه ، فلا تفید إلّانفی هذه الطبیعه فی الجمله ولو فی ضمن صنفٍ منها ، فافهم ، فإنّه لا یخلو من دقّه . ( منه قدس سره ) .
5- حقّ العباره أن تکون هکذا : ولا یقتضی استیعاب ما تصلح لانطباقها علیه وفاعل « تصلح » ضمیر راجع إلی النکره . ( منته الدرایه 3 : 471 ) .

وهذا لا ینافی کونَ دلالتها علیه عقلیّهً ، فإنّها بالإضافه إلی أفراد ما یراد منها ، لا الأفرادِ الّتی یصلح (1) لانطباقها علیها .

کما لا ینافی دلالهَ مثل لفظ «کلّ» علی العموم وضعاً ، کونُ عمومه بحسب ما یراد من مدخوله ، ولذا لا ینافیه تقیید المدخول بقیود کثیره . نعم ، لا یبعد أن یکون ظاهراً – عند إطلاقها – فی استیعاب جمیع أفرادها .

دلاله المحلّی باللام

وهذا هو الحال فی المحلّی باللام ، جمعاً کان أو مفرداً ، – بناءً علی إفادته للعموم – . ولذا لا ینافیه تقیید المدخول بالوصف وغیره .

وإطلاق التخصیص علی تقییده لیس إلّامن قبیل : ضَیِّقْ فم الرَکیّه .

لکن دلالته علی العموم وضعاً محلّ منْعٍ ، بل إنّما یفیده فی ما إذا اقتضته الحکمه أو قرینهٌ أُخری ؛ وذلک لعدم اقتضائه وضعُ «اللام» ولا مدخولِه ، ولا وضعٌ (2) آخر للمرکّب منهما (3) ، کما لا یخفی . وربما یأتی فی المطلق والمقیّد بعض الکلام ممّا یناسب المقام (4) .

[شماره صفحه واقعی : 299]

ص: 95


1- الأولی أن یقال: «تصلح»؛ لأنّ فاعله ضمیر یرجع إلی النکره … (منته الدرایه 3: 472).
2- فی « ر » : ولا ثبت وضعٌ .
3- الأولی أن یقال : « لعدم اقتضاء وضع اللام ولا مدخوله ولا المرکّب منهما للعموم » ، بل الصواب : إسقاط « اقتضاء » … ؛ إذ لا معنی لعدم المقتضی فی وضع اللام للعموم … ثمّ إنّ « اقتضائه » مصدر أُضیف إلی المفعول المراد به العموم ، وقوله : « وضع » فاعله ، یعنی : لعدم اقتضاء وضع اللام للعموم . وإضافه المصدر إلی الضمیر المفعول ، ثمّ ذکر الفاعل بعده باسم الظاهر غیر معه ده فی المحاورات . ( منته الدرایه 3 : 476 ) .
4- راجع الفصل الأول من مباحث المطلق والمقیّد ، فی بیان ألفاظ المطلق ، منها : المفرد المعرّف باللام . الصفحه : 339 .
فصل : حجّیّه العامّ المخصَّص فی الباقی
اشاره

لا شبهه فی أنّ العام المخصَّص – بالمتّصل أو المنفصل – حجّهٌ فی ما بقی ، ممّا (1) عُلم عدم دخوله فی المخصِّص مطلقاً ولو کان متّصلاً ، وما احتمل دخوله فیه أیضاً إذا کان منفصلاً ، کما هو المشهور بین الأصحاب ، بل لا ینسب الخلاف إلّاإلی بعض أهل الخلاف (2) .

وربما فصّل بین المخصّص المتّصل ، فقیل بحجّیّته فیه ، وبین المنفصل ، فقیل بعدم حجّیّته فیه (3)(4) .

احتجاج النافین والجواب عنه

واحتجّ النافی بالإجمال؛ لتعدُّدِ المجازات حَسَبَ تعدّد (5) مراتب الخصوصیّات ، وتعیینُ (6) الباقی من بینها بلا معیِّن ، ترجیحٌ بلا مرجّح (7) .

والتحقیق فی الجواب أن یقال: إنّه لا یلزم من التخصیص کون العامّ مجازاً:

أمّا فی التخصیص بالمتّصل : فلما عرفت من أ نّه لا تخصیص أصلاً ، وأنّ

[شماره صفحه واقعی : 300]

ص: 96


1- فی غیر « ر » : فی ما .
2- وإلیه میل الغزالی وکثیر من المعتزله وأصحاب أبی حنیفه ، کعیسی بن أبان وغیره . راجع الإحکام ( للآمدی ) 2 : 227 .
3- لا توجد « فیه » فی غیر « ر » .
4- وهو اختیار القاضی أبی بکر ، کما فی المصدر المتقدم .
5- لا توجد « تعدّد » فی غیر « ر » .
6- أثبتنا الکلمه من حقائق الأُصول ومنته الدرایه ، وفی غیرهما : تعیّن .
7- ذکره فی الفصول : 199 .

أدوات العموم قد استعملت فیه ، وإن کان دائرته – سعهً وضیقاً – یختلف (1) باختلاف ذوی الأدوات ، فلفظه «کلّ» فی مثل «کلّ رجل» و «کلّ رجل عالم» قد استعملت فی العموم ، وإن کان أفراد أحدهما بالإضافه إلی الآخر ، – بل فی نفسها – فی غایه القلّه .

وأمّا فی المنفصل : فلأنّ إراده الخصوص واقعاً لا تستلزم استعمالَه فیه ، وکَوْنَ الخاصّ قرینهً علیه ، بل من الممکن – قطعاً – استعمالُه معه فی العموم قاعدهً ، وکوْنُ الخاصّ مانعاً عن حجیّه ظهوره ، تحکیماً للنصّ – أو الأظهر – علی الظاهر ، لا مصادماً لأصل ظهوره ، ومعه لامجال للمصیر إلی أ نّه قد استعمل فیه مجازاً ، کی یلزم الإجمال .

لا یقال: هذا مجرّد احتمالٍ ولا یرتفع به الإجمال؛ لاحتمال الاستعمال فی خصوص مرتبهٍ من مراتبه .

فإنّه یقال: مجرّد احتمال استعماله فیه لایوجب إجماله بعد استقرار ظهوره فی العموم ، والثابتُ من مزاحمته بالخاصّ إنّما هو بحسب الحجّیّه ، تحکیماً لما هو الأقوی ، کما أشرنا إلیه آنفاً (2) .

وبالجمله: الفرق بین المتّصل والمنفصل وإن کان بعدم انعقاد الظهور فی الأوّل إلّافی الخصوص ، وفی الثانی إلّافی العموم ، إلّاأ نّه لا وجه لتوهّم استعماله مجازاً فی واحدٍ منهما أصلاً ، وإنّما اللازم الالتزام بحجّیّه الظهور فی الخصوص فی الأوّل ، وعدمِ حجّیّه ظهوره فی خصوص ما کان الخاصّ حجّهً فیه فی الثانی ، فتفطّن .

[شماره صفحه واقعی : 301]

ص: 97


1- فی « ق » ، « ر » و « ش » : تختلف . والأولی أن یقال : وإن کانت دائرته .. تختلف .
2- قبل أسطر ، حیث قال : تحکیماً للنص أو الأظهر علی الظاهر .
جوابٌ آخر عن الاحتجاج والمناقشه فیه

وقد أُجیب (1) عن الاحتجاج : بأنّ الباقی أقرب المجازات .

وفیه: أ نّه (2) لا اعتبار فی الأقربیّه بحسب المقدار ، وإنّما المدار علی الأقربیّه بحسب زیاده الاُنس الناشئه من کثره الاستعمال (3) .

جواب الشیخ الأنصاری عن الاحتجاج

وفی تقریرات بحث شیخنا الأُستاذ قدس سره – فی مقام الجواب عن الاحتجاج – ما هذا لفظه: «والأولیٰ أن یجاب – بعد تسلیم مجازیّه الباقی – بأنّ دلاله العامّ علی کلّ فردٍ من أفراده غیرُ منوطه بدلالته علی فردٍ آخر من أفراده ، ولو کانت دلالهً مجازیّه؛ إذ هی إنّما بواسطه عدم شموله للأفراد المخصوصه ، لا بواسطه دخول غیرها فی مدلوله ، فالمقتضی للحمل علی الباقی موجود والمانع مفقود؛ لأنّ المانع فی مثل المقام إنّما هو ما یوجب صرفَ اللفظ عن مدلوله ، والمفروض انتفاؤه بالنسبه إلی الباقی؛ لاختصاص المخصّص بغیره ، فلو شکّ فالأصل عدمه» (4) . انتهٰ موضع الحاجه .

المناقشه فی جواب الشیخ الأعظم

قلت: لا یخفی أنّ دلالته علی کلّ فردٍ إنّما کانت لأجل دلالته علی العموم والشمول ، فإذا لم یستعمل فیه واستعمل فی الخصوص – کما هو المفروض – مجازاً ، وکان إراده کلّ واحده (5) من مراتب الخصوصیّات – ممّا جاز انتهاءُ التخصیص إلیه ، واستعمالُ العامّ فیه مجازاً – ممکناً ، کان تعیین (6) بعضها بلا معیِّن

[شماره صفحه واقعی : 302]

ص: 98


1- فی القوانین 1 : 266 ، والفصول : 200 .
2- أثبتنا « أ نّه » من « ر » ، « ق » و « ش » وبعض الطبعات الأُخری . وفی الأصل و « ن » : وفیه لا اعتبار .
3- أصل هذا الردّ من الشیخ الأعظم علی ما فی مطارح الأنظار 2 : 132 .
4- مطارح الأنظار 2 : 132 .
5- أثبتنا الکلمه کما هی فی حقائق الأُصول ومنته الدرایه ، وفی غیرهما : کلّ واحد .
6- أثبتناها من « ن » ، « ر » و « ش » . وفی الأصل وسائر الطبعات : تعیّن .

ترجیحاً بلا مرجّح ، ولا مقتضی لظهوره فیه؛ ضرورهَ أنّ الظهور إمّا بالوضع ، وإمّا بالقرینه ، والمفروض أ نّه لیس بموضوعٍ له ، ولم یکن هناک قرینه ، ولیس له موجبٌ آخر .

ودلالته علی کلِّ فردٍ علی حده – حیث کانت فی ضمن دلالته علی العموم – لا توجب ظهوره فی تمام الباقی بعد عدم استعماله فی العموم ، إذا لم تکن هناک قرینه علی تعیینه (1) . فالمانع عنه وإن کان مدفوعاً بالأصل ، إلّاأ نّه لامقتضی له بعد رفع الید عن الوضع . نعم ، إنّما یُجدی إذا لم یکن مستعملاً إلّا فی العموم ، کما حقّقناه (2) فی الجواب ، فتأمّل جیّداً .

فصل : هل یسری إجمال الخاصّ إلی العامّ ؟
المخصّص اللفظی المجمل مفهوماً :

عدم سرایه الإجمال من الخاص المنفصل المردّد بین الأقلّ والأکثر إذا کان الخاصّ بحسب المفهوم مجملاً ، بأن کان دائراً بین الأقلّ والأکثر ،

[شماره صفحه واقعی : 303]

ص: 99


1- فی « ر » : تعیّنه .
2- فی غیر « ر » : کما فی ما حقّقناه .

وکان منفصلاً ، فلا یسری إجماله إلی العامّ ، لا حقیقهً ، ولا حکماً ، بل کان العامّ متَّبَعاً فی ما لا یتّبع فیه الخاصّ؛ لوضوح أ نّه حجّه فیه بلا مزاحمٍ أصلاً؛ ضرورهَ أنّ الخاصّ إنّما یزاحمه فی ما هو حجّه علی خلافه ، تحکیماً للنصّ أو الأظهر علی الظاهر ، لا فی ما لا یکون کذلک ، کما لا یخفی .

سرایه الاجمال فی غیره وإن لم یکن کذلک ، بأن کان دائراً بین المتباینین مطلقاً ، أو بین الأقلّ والأکثر فی ما کان متّصلاً ، فیسری إجماله إلیه حکماً فی المنفصل المردّد بین المتباینین ، وحقیقهً فی غیره :

أمّا الأوّل: فلأنّ العامّ – علی ما حقّقناه (1) – کان (2) ظاهراً فی عمومه ، إلّاأ نّه لا یتّبع ظهورُه فی واحدٍ من المتباینین اللّذین علم تخصیصه بأحدهما .

وأمّا الثانی: فلعدم انعقاد ظهور من رأس للعامّ؛ لاحتفاف الکلام بما یوجب احتماله لکلّ واحدٍ من الأقلّ والأکثر ، أو لکلّ واحدٍ من المتباینین ، لکنّه حجّه فی الأقلّ؛ لأنّه المتیقّن فی البین .

فانقدح بذلک : الفرق بین المتّصل والمنفصل . وکذا فی المجمل بین المتباینین ، والأکثر والأقلّ ، فلا تغفل .

المخصّص اللفظی المجمل مصداقاً :

عدم جواز التمسّک بالعام سواءً کان المخصّص متصلاً أو منفصلاً وأمّا إذا کان مجملاً بحسب المصداق – بأن اشتبه فردٌ ، وتردّد بین أن یکون فرداً له أو باقیاً تحت العامّ – فلا کلام فی عدم جواز التمسّک بالعامّ لو کان متّصلاً به (3)؛ ضرورهَ عدم انعقاد ظهورٍ للکلام إلّافی الخصوص ، کما عرفت (4) .

وأمّا إذا کان منفصلاً عنه ، ففی جواز التمسّک به خلافٌ .

[شماره صفحه واقعی : 304]

ص: 100


1- فی أوائل الفصل السابق ، الصفحه : 301 ، إذ قال : وأ مّا فی المنفصل ، فلأنّ إراده الخصوص واقعاً ، لا تستلزم استعمالَه فیه .
2- الأولی أن یقال : « وإن کان » حتی یلائمه قوله : « إلّاأ نّه لا یتبع ظهوره » . ( منته الدرایه 3 : 501 ) .
3- قد یظهر من مطارح الأنظار 2 : 136 دخوله فی محلّ النزاع . یراجع أیضاً حقائق الأُصول 1 : 496 .
4- آنفاً ، إذ قال : أو بین الأقلّ والأکثر فی ما کان متصلاً فیسری إجماله إلیه .

والتحقیق : عدم جوازه؛ إذ غایه ما یمکن أن یقال فی وجه جوازه: أنّ الخاصّ إنّما یزاحم العامّ فی ما کان فعلاً حجّهً فیه (1) ، ولا یکون حجّهً فی ما اشتبه أ نّه من أفراده ، فخطاب «لا تکرم فسّاق العلماء» لا یکون دلیلاً علی حرمه إکرام مَن شُکّ فی فسقه من العلماء ، فلا یزاحم مثلَ «أکرم العلماء» ولا یعارضه؛ فإنّه یکون من قبیل مزاحمه الحجّه بغیر الحجّه .

وهو فی غایه الفساد؛ فإنّ الخاصّ وإن لم یکن دلیلاً فی الفرد المشتبه فعلاً ، إلّاأ نّه یوجب اختصاصَ حجّیّه العامّ بغیر (2) عنوانه من الأفراد ، فیکون «أکرم العلماء» دلیلاً وحجّهً فی العالِم غیرِ الفاسق . فالمصداق المشتبه وإن کان مصداقاً للعامّ بلا کلام ، إلّاأ نّه لم یعلم أ نّه من مصادیقه بما هو حجّه؛ لاختصاص حجّیّته بغیر الفاسق .

وبالجمله: العامّ المخصَّص بالمنفصل وإن کان ظهوره فی العموم کما إذا لم یکن مخصَّصاً – بخلاف المخصَّص بالمتّصل ، کما عرفت – إلّاأ نّه فی عدم الحجّیّه – إلّافی غیر عنوان الخاصّ – مثلُهُ . فحینئذٍ یکون الفرد المشتبه غیرَ معلوم الاندراج تحت إحدی الحجّتین ، فلابدّ من الرجوع إلی ما هو الأصل فی البین .

هذا إذا کان المخصّص لفظیّاً .

المخصّص اللبّی المجمل مصداقاً:

التفصیل بین ما

إذا کان ممّا یصحّ

ان یتّکل علیه

وما لم یکن کذلک وأمّا إذا کان لبّیّاً : فإن کان ممّا یصحّ أن یتّکل علیه المتکلّم إذا کان بصدد البیان فی مقام التخاطب ، فهو کالمتّصل ، حیث لا یکاد ینعقد معه ظهور للعامّ إلّافی الخصوص .

[شماره صفحه واقعی : 305]

ص: 101


1- أثبتنا « فیه » من « ر » .
2- فی غیر « ر » : فی غیر .

وإن لم یکن کذلک ، فالظاهر بقاء العامّ فی المصداق المشتبه علی حجّیّته کظهوره (1) فیه .

والسرّ فی ذلک: أنّ الکلام الملقیٰ من السیّد حجّهً، لیس إلّاما اشتمل علی العامّ الکاشف (2) بظهوره عن إرادته للعموم ، فلابدّ من اتّباعه ما لم یقطع بخلافه . مثلاً ، إذا قال المولی: «أکرم جِیرانی» ، وقَطَعَ بأ نّه لا یرید إکرامَ من کان عدوّاً له منهم ، کان أصاله العموم باقیهً علی الحجّیّه بالنسبه إلی من لم یعلم بخروجه عن عموم الکلام ، للعلم بعداوته؛ لعدم حجّه أُخری بدون ذلک علی خلافه .

بخلاف ما إذا کان المخصِّص لفظیّاً؛ فإنّ قضیّه تقدیمه علیه هو کون الملقیٰ إلیه کأ نّه کان من رأس لا یعمّ الخاصّ ، کما کان کذلک حقیقهً فی ما کان الخاصّ متّصلاً .

والقطعُ بعدم إراده العدوّ لا یوجب انقطاع حجیّته إلّافی ما قطع أ نّه عدوُّهُ، لا فی ما شکّ فیه ، کما یظهر صدق هذا من صحّه مؤاخذه المولی لو لم یکرم واحداً من جیرانه؛ لاحتمال عداوته له، وحُسْنِ عقوبته علی مخالفته، وعدَمِ صحّه الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوه، کما لا یخفی علی من راجع الطریقه المعروفه ، والسیرهَ المستمرّه المألوفه بین العقلاء الّتی هی ملاک حجّیّه أصاله الظهور .

وبالجمله: کان بناء العقلاء علی حجّیّتها بالنسبه إلی المشتبه هاهنا ، بخلافه (3) هناک ؛ ولعلّه لما أشرنا إلیه ، من التفاوت بینهما بإلقاء حجّتین هناک ،

[شماره صفحه واقعی : 306]

ص: 102


1- فی « ر » : لظهوره .
2- فی « ر » : ما اشتمل العامّ علی اللفظ الکاشف .
3- أثبتناها من « ش » ، وفی غیرها : بخلاف .

تکون قضیّتهما – بعد تحکیم الخاصّ وتقدیمه علی العامّ – کأ نّه لم یعمّه حکماً من رأس ، وکأ نّه لم یکن بعامّ .

بخلافه (1) هاهنا؛ فإنّ الحجّه الملقاه لیست إلّاواحدهً . والقطعُ بعدم إراده إکرام العدوّ فی «أکرم جیرانی» – مثلاً – لا یوجب رفعَ الید عن عمومه إلّافی ما قُطع بخروجه من تحته ، فإنّه علی الحکیم إلقاء کلامه علی وفق غرضه ومرامه ، فلابدّ من اتّباعه ما لم تقم حجّه أقویٰ علی خلافه .

بل یمکن أن یقال: إنّ قضیّه عمومه للمشکوک أ نّه لیس فرداً لما عُلم بخروجه من حکمه بمفهومه ، فیقال فی مثل «لعن اللّٰه بنی امیّه قاطبه» (2): إنّ فلاناً وإن شُکّ فی إیمانه یجوز لعنه؛ لمکان العموم ، وکلُّ من جاز لعنه لا یکون مؤمناً ، فیُنتج : أ نّه لیس بمؤمن ، فتأمّل جیّداً .

إحراز المشتبه بالأصل الموضوعی

إیقاظ (3):

لا یخفی: أنّ الباقی تحت العامّ بعد تخصیصه بالمنفصل ، أو کالاستثناء من المتّصل ، لمّا کان غیرَ معنونٍ بعنوان خاصّ ، بل بکلّ عنوانٍ لم یکن ذاک بعنوان الخاصّ ، کان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعیّ فی غالب الموارد – إلّاماشذّ – ممکناً ، فبذلک یحکم علیه بحکم العامّ ، وإن لم یجز التمسّک به بلا کلام؛ ضروره أ نّه قلَّما لا یوجد عنوان یجری فیه أصل یُنقّح به أ نّه ممّا بقی تحته .

[شماره صفحه واقعی : 307]

ص: 103


1- أثبتناها من « ش » وفی غیرها : بخلاف .
2- کامل الزیارات : 329 ، وبحار الأنوار 98 : 292 .
3- الأنسب : ذکر هذا الایقاظ عقیب المخصّص اللفظیّ المجمل مصداقاً ، الذی لا یکون العام حجه فیه . ( منته الدرایه 3 : 538 ) .

مثلاً: إذا شُکّ أنّ امرأه تکون قرشیّه ، – فهی وإن کانت وُجدت (1) إمّا قرشیّهً أو غیرها – فلا أصل (2) یُحرز به (3) أ نّها قرشیّه أو غیرها ، إلّاأنّ أصاله عدم تحقّق الانتساب بینها وبین قریش ، تُجدی فی تنقیح أ نّها ممّن لا تحیض إلّا إلی خمسین؛ لأنّ المرأه الّتی لا یکون بینها وبین قریش انتسابٌ أیضاً ، باقیهٌ تحت ما دلّ علی : أنّ المرأه إنّما تری الحمره إلی خمسین (4) ، والخارج عن تحته هی القرشیّه ، فتأمّل تعرف .

توهّم جواز التمسّک بالعامّ فی غیر الشک فی التخصیص

وهمٌ وإزاحهٌ (5) :

ربما یظهر من بعضهم (6) : التمسّک بالعمومات فی ما إذا شکّ فی فردٍ لا من جهه احتمال التخصیص ، بل من جههٍ أُخری ، کما إذا شکّ فی صحّه الوضوء أو الغسل بمائع مضاف، فیستکشف صحّته بعموم مثل: «أوفوا بالنذور» فی ما إذا وقع متعلّقاً للنذر، بأن یقال: وجب الإتیان بهذا الوضوء وفاءً للنذر؛ للعموم، وکلُّ ما یجب الوفاء به لا محاله یکون صحیحاً؛ للقطع بأ نّه لولا صحّته لما وجب الوفاء به.

وربما یؤیَّد ذلک بما ورد من صحّه الإحرام والصیام قبل المیقات وفی السفر ، إذا تعلّق بهما النذر کذلک (7) .

[شماره صفحه واقعی : 308]

ص: 104


1- فی « ر » : إذا وجدت .
2- فی « ق » : إذا شکّ أنّ امرأهً تکون قرشیّه أو غیرها ، فلا أصل .
3- أثبتنا « به » من « ش » .
4- راجع وسائل الشیعه 2 : 335 باب حدّ الیأس من المحیض .
5- هذا الوهم وجوابه مذکوران فی مطارح الأنظار 2 : 148 – 149 .
6- فی غیر « ر » : عن بعضهم .
7- راجع وسائل الشیعه 11: 326 – 327، الباب 13 من أبواب المواقیت، الأحادیث1 – 3 و 10 : 196 ، الباب 10 من أبواب من یصحّ منه الصوم ، الحدیث الأول .
إزاحه الوهم

والتحقیق أن یقال: إنّه لا مجال لتوهّم الاستدلال بالعمومات المتکفّله لأحکام (1) العناوین الثانویّه فی ما شکّ من غیر جهه تخصیصها ، إذا أُخذ فی موضوعاتها أحد الأحکام المتعلّقه بالأفعال بعناوینها الأوّلیّه ، کما هو الحال فی وجوب إطاعه الوالد ، والوفاء بالنذر وشبهه فی الاُمور المباحه أو الراجحه ؛ ضروره أ نّه – معه – لا یکاد یتوهّم عاقلٌ أ نّه (2) إذا شَکّ فی رجحان شیءٍ أو حلّیّته، جوازَ التمسّک بعموم دلیل وجوب الإطاعه أو الوفاء فی رجحانه أو حلّیّته .

نعم ، لا بأس بالتمسّک به فی جوازه – بعد إحراز التمکّن منه والقدره علیه – فی ما لم یؤخذ فی موضوعاتها حکم أصلاً ، فإذا شکّ (3) فی جوازه صحّ التمسّک بعموم دلیلها فی الحکم بجوازها (4) . وإذا کانت محکومهً بعناوینها الأوّلیّه بغیر حکمها بعناوینها الثانویّه ، وقع (5) المزاحمه بین المقتضیین ، ویؤثّر الأقوی منهما لو کان فی البین ، وإلّا لم یؤثّر أحدهما ، وإلّا لزم الترجیح بلا مرجّح ، فلیحکم علیه حینئذٍ بحکم آخر – کالإباحه – ، إذا کان أحدُهما مقتضیاً للوجوب ، والآخر للحرمه مثلاً .

الکلام فی صحّه الصوم فی السفر والإحرام قبل المیقات بالنذر

وأمّا صحّه الصوم فی السفر بنذره فیه – بناءً علی عدم صحّته فیه بدونه –

[شماره صفحه واقعی : 309]

ص: 105


1- کذا ، والأنسب : بأحکام .
2- لا توجد « أ نّه » فی بعض الطبعات .
3- هذا کأ نّه تکرار غیر مناسب ( حقائق الأُصول 1 : 509 ) .
4- الأولی : تذکیر ضمیر «بجوازها» لرجوعه إلی «شیء». راجع منته الدرایه 3: 555 .
5- فی الأصل و « ر » : فتقع . وفی سائر الطبعات مثل ما أثبتناه .

وکذا الإحرام قبل المیقات ، فإنّما هو (1) لدلیل خاصّ کاشفٍ عن رجحانهما ذاتاً فی السفر وقبل المیقات ، وإنّما لم یؤمر بهما – استحباباً أو وجوباً – لمانعٍ یرتفع مع النذر (2) .

وإمّا لصیرورتهما راجحین بتعلّق (3) النذر (4) بهما بعد ما لم یکونا کذلک ، کما ربما یدلّ علیه ما فی الخبر : من کون الإحرام قبل المیقات کالصلاه قبل الوقت (5) .

لا یقال: لا یُجدی صیرورتهما راجحین بذلک (6) فی عبادیّتهما؛ ضروره کون وجوب الوفاء توصّلیّاً لا یعتبر فی سقوطه إلّاالإتیان بالمنذور بأیّ داعٍ کان .

فإنّه یقال: عبادیّتهما إنّما تکون لأجل کشف دلیل صحّتهما عن عروضِ عنوانٍ راجحٍ علیهما ، ملازمٍ لتعلّق النذر بهما .

[شماره صفحه واقعی : 310]

ص: 106


1- الأولی : تأنیث الضمیر ؛ لرجوعه إلی صحّه الصوم . ( منته الدرایه 3 : 557 ) .
2- فی « ر » : بالنذر .
3- فی « ق » : لتعلّق .
4- الأولی أن یقال : « مع تعلّق النذر » أو « حین تعلّق النذر » ؛ لأنّ الباء ظاهر فی السببیه ، وکون الرجحان معلولاً للنذر وناشئاً عنه ، وهو خلاف ما تسالموا علیه من اعتبار الرجحان مع الغضّ عن النذر ، فلابدّ أن یکون الباء للمصاحبه – کما فی بعض حواشی المتن – وإن کان خلاف الظاهر . ( منته الدرایه 3 : 559 ) .
5- لم نعثر علی حدیث بهذا المضمون ، وإنّما ورد : فإنّما مثل ذلک مثل من صلّی فی السفر أربعاً وترک اثنتین . ( وسائل الشیعه 11 : 323 ، الباب 11 من أبواب المواقیت ، الحدیث 3 ) .
6- الأولی : تبدیل الباء ب « مع » کما عرفت . ( منته الدرایه 3: 560 ) .

هذا لو لم نقل بتخصیص عموم دلیل اعتبار الرجحان فی متعلّق النذر بهذا الدلیل ، وإلّا أمکن أن یقال بکفایه الرجحان الطارئ علیهما من قِبَل النذر فی عبادیّتهما ، بعد تعلّق النذر بإتیانهما عبادیّاً ومتقرّباً بهما منه – تعالی – ، فإنّه وإن لم یتمکّن من إتیانهما کذلک قبله ، إلّاأ نّه یتمکّن منه بعده ، ولا یعتبر فی صحّه النذر إلّاالتمکّن من الوفاء ولو بسببه ، فتأمّل جیّداً .

الکلام فی التمسّک بأصاله العموم لإحراز عدم فردیّه المشتبه

بقی شیء ، وهو: أ نّه هل یجوز التمسّک بأصاله عدم التخصیص فی إحراز عدم کون ما شُکّ فی أ نّه من مصادیق العامّ – مع العلم بعدم کونه محکوماً بحکمه – مصداقاً له ، مثل ما إذا عُلم أنّ زیداً یحرم إکرامه ، وشکّ فی أ نّه عالم (1) ، فیحکم علیه – بأصاله عدم تخصیص «أکرم العلماء» – أ نّه لیس بعالم ، بحیث یحکم علیه بسائر ما لغیر العالم من الأحکام (2) ؟

فیه إشکال؛ لاحتمال اختصاص حجّیّتها بما إذا شکّ فی کون فرد العامّ (3) محکوماً بحکمه ، کما هو قضیّه عمومه . والمثبِت من الأُصول اللفظیّه وإن کان حجّه ، إلّاأ نّه لابدّ من الاقتصار علی ما یساعد علیه الدلیل ، ولا دلیل هاهنا إلّا السیره وبناء العقلاء ، ولم یعلم استقرار بنائهم علی ذلک ، فلا تغفل .

[شماره صفحه واقعی : 311]

ص: 107


1- فی « ر » زیاده : أو لیس بعالم .
2- الذی یظهر من غیر واحد من المقامات من طهاره شیخنا الأعظم رحمه الله ( انظر کتاب الطهاره للشیخ الأنصاری 1 : 346 ) ، وکذا من التقریرات ( مطارح الأنظار 2 : 150 ) جواز الرجوع إلیها ، وعلیه بنی بعض من تأخّر عنه من المحقّقین . بل قیل ( کما فی مطارح الأنظار 2 : 150 ) إنّه جری علیه دیدنهم فی الاستدلالات الفقهیه ( حقائق الأُصول 1 : 514 ) .
3- فی « ر » زیاده : المحقّق فردیّته .
فصل : العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص
اشاره

هل یجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص ؟

فیه خلاف، وربما نُفی الخلاف عن عدم جوازه (1)، بل ادّعی الإجماع علیه (2) .

تحدید محلّ البحث

والّذی ینبغی أن یکون محلّ الکلام فی المقام ، أ نّه هل یکون أصاله العموم متّبَعهً مطلقاً ، أو بعد الفحص عن المخصّص والیأس عن الظفر به ؟ بعد الفراغ عن اعتبارها بالخصوص فی الجمله ، من باب الظنّ النوعیّ للمشافه وغیره ما لم یعلم بتخصیصه تفصیلاً ، ولم یکن من أطراف ما عُلم تخصیصه إجمالاً .

وعلیه فلا مجال لغیر واحدٍ ممّا استدلّ به علی عدم جواز العمل به قبل الفحص والیأس (3) .

التحقیق : عدم جواز التمسّک فی العمومات المعرّضه للتخصیص

فالتحقیق : عدم جواز التمسّک به قبل الفحص ، فی ما إذا کان فی معرض التخصیص ، کما هو الحال فی عمومات الکتاب والسنّه ؛ وذلک لأجل أ نّه لولا القطع باستقرار سیره العقلاء علی عدم العمل به قبله ، فلا أقلّ من الشکّ ، کیف ؟ وقد ادّعی الإجماع علی عدم جوازه فضلاً عن نفی الخلاف عنه ، وهو کافٍ فی عدم الجواز ، کما لا یخفی .

وأمّا إذا لم یکن العامّ کذلک – کما هو الحال فی غالب العمومات الواقعه فی

[شماره صفحه واقعی : 312]

ص: 108


1- حکی ذلک فی مطارح الأنظار 2 : 1567 عن الغزالی والآمدی .
2- نقله فی القوانین 1 : 272 .
3- هذا تعریض بجماعه من القائلین بعدم جواز العمل بالعام قبل الفحص ، حیث استدلّوا بوجوه کلّها خارجه عن محلّ الکلام . راجع للتفصیل : مطارح الأنظار 2 : 161 – 170 .

ألسنه أهل المحاورات – فلا شبهه فی أنّ السیره علی العمل به بلا فحص عن مخصّص.

الکلام فی مقدارالفحص اللازم

وقد ظهر لک بذلک : أنّ مقدار الفحص اللازم ، ما به یخرج عن المعرضیّه له . کما أنّ مقداره اللازم منه (1) – بحسب سائر الوجوه الّتی استدلّ بها ، من العلم الإجمالیّ به (2) ، أو حصولِ الظنّ بما هو التکلیف (3) ، أو غیرِ ذلک – رعایتُها ، فیختلف مقداره بحسبها ، کما لا یخفی .

عدم لزوم الفحص عن المخصّص المتصل

ثمّ إنّ الظاهر : عدم لزوم الفحص عن المخصّص المتّصل ، باحتمال أ نّه کان ولم یصِل ، بل حاله حال احتمال قرینه المجاز ، وقد اتّفقت کلمتهم (4) علی عدم الاعتناء به مطلقاً ، ولو قبل الفحص عنها ، کما لا یخفی (5) .

الفرق فی الفحص بین الأُصول اللفظیّه والعملیّه

إیقاظ:

لا یذهب علیک الفرق بین الفحص هاهنا ، وبینه فی الأُصول العلمیّه؛ حیث إنّه هاهنا عمّا یزاحم الحجه (6) ، بخلافه (7) هناک ، فإنّه بدونه لا حجّه؛

[شماره صفحه واقعی : 313]

ص: 109


1- کلمه « منه » زائده ؛ لأنّه بمنزله أن یقال : مقدار الفحص اللازم من الفحص . ( منته الدرایه 3 : 573 ) .
2- وهو الذی جعله العمده فی مطارح الأنظار 2 : 168 .
3- کما جاء فی زبده الأُصول : 97 .
4- أثبتناها من الأصل . وفی طبعاته : کلماتهم .
5- قال فی المعالم : 120 : احتجّ مجوّز التمسّک به ( العام ) قبل البحث ، بأ نّه لو وجب طلب المخصص فی التمسّک بالعام ، لوجب طلب المجاز فی التمسّک بالحقیقه … لکن اللازم – أعنی طلب المجاز – منتفٍ ، فإنه لیس بواجب اتفاقاً . انظر أیضاً مطارح الأنظار 2 : 173 .
6- فی « ن » ، « ق » و « ش » وبعض الطبعات الأُخری : الحجیّه . وفی الأصل وبعض طبعاته مثل ما أثبتناه .
7- فی الأصل : « بخلاف » ، وفی طبعاته مثل ما أدرجناه .

ضروره أنّ العقل بدونه یستقلّ باستحقاق المؤاخذه علی المخالفه ، فلا یکون العقاب بدونه بلا بیان ، والمؤاخذهُ علیها من غیر برهانٍ .

والنقل وإن دلّ علی البراءه أو الاستصحاب فی موردهما مطلقاً ، إلّاأنّ الإجماع بقسمیه علی تقییده به (1) ، فافهم .

فصل : هل الخطابات الشفاهیّه تعمّ غیر الحاضرین ؟
اشاره

هل الخطابات الشفاهیّه (2) – مثل «یا أیّها المؤمنون» – تختصّ بالحاضر مجلسَ التخاطب ، أو تعمّ (3) غَیره من الغائبین ، بل المعدومین ؟ فیه خلاف .

بیان الوجوه التی یمکن أن تکون محلاًّ للنزاع

ولابدّ – قبل الخوض فی تحقیق المقام – من بیان ما یمکن أن یکون محلّاً للنقض والإبرام بین الأعلام :

فاعلم : أ نّه یمکن أن یکون النزاع فی أنّ التکلیف المتکفّل له (4) الخطاب ، هل یصحّ تعلّقه بالمعدومین ، کما صحّ تعلّقه بالموجودین ، أم لا ؟

أو فی صحّه المخاطبه معهم – بل مع الغائبین عن مجلس الخطاب – بالألفاظ الموضوعه للخطاب ، أو بنفس توجیه الکلام إلیهم ، وعدمِ صحّتها (5) .

[شماره صفحه واقعی : 314]

ص: 110


1- هذا الفرق بین المقامین فی الفحص ، مذکور فی مطارح الأنظار 2 : 160 – 161 .
2- الأولی : التعبیر ب « الشَفَهیّه » . راجع منته الدرایه 3 : 578 .
3- فی غیر « ش » : یعمّ .
4- کذا ، والمناسب : به .
5- الظاهر من الفصول : 179 : أنّ النزاع فی المقام هو بهذا الوجه .

أو فی عموم الألفاظ الواقعه عقیبَ أداه الخطاب للغائبین ، بل المعدومین ، وعدمِ عمومها لهما بقرینه تلک الأداه (1) .

ولا یخفی: أنّ النزاع علی الوجهین الأوّلین یکون عقلیّاً ، وعلی الوجه الأخیر لغویّاً (2) .

حکم النزاع علی الوجوه الثلاثه

إذا عرفت هذا ، فلا ریب فی عدم صحّه تکلیف المعدوم عقلاً ، بمعنی بعثه أو زجره فعلاً؛ ضروره أ نّه بهذا المعنی یستلزم الطلب منه حقیقهً ، ولا یکاد یکون الطلب کذلک إلّامن الموجود ضرورهً .

نعم ، هو بمعنی مجرّد إنشاء الطلب – بلا بعثٍ ولا زجرٍ – لا استحاله فیه أصلاً؛ فإنّ الإنشاء خفیف المؤونه ، فالحکیم – تبارک وتعالی – یُنشئ علی وفق الحکمه والمصلحه طلَبَ شیءٍ – قانوناً – من الموجود والمعدوم حین الخطاب ، لیصیر فعلیّاً بعد ما وُجد الشرائط وفُقد الموانع، بلا حاجه إلی إنشاء آخر، فتدبّر .

ونظیره من غیر الطلب إنشاءُ التملیک فی الوقف علی البطون ، فإنّ المعدوم منهم یصیر مالکاً للعین الموقوفه بعد وجوده بإنشائه ، ویتلقّیٰ لها من الواقف بعقده ، فیؤثّر فی حقّ الموجود منهم الملکیّهَ الفعلیّه ، ولا یؤثّر فی حقّ المعدوم فعلاً إلّااستعدادَها لأن تصیر ملکاً له بعد وجوده .

هذا إذا أُنشئ الطلب مطلقاً .

وأمّا إذا أُنشئ مقیّداً بوجود المکلّف ووجدانه الشرائط ، فإمکانه بمکانٍ من الإمکان .

[شماره صفحه واقعی : 315]

ص: 111


1- وهذا هو الظاهر من مطارح الأنظار 2 : 183 فی تحریر العنوان .
2- اشاره إلی ما ورد فی مطارح الأنظار 2 : 186 من أنّ النزاع المذکور هل هو عقلیّ أو لغویّ ؟ … فظاهر جمله من الامارات یشهد للثانی ، وظاهر جمله أُخری یشهد للأول .

وکذلک لا ریب فی عدم صحّه خطاب المعدوم – بل الغائب – حقیقهً ، وعدم إمکانه؛ ضرورهَ عدم تحقّق توجیه الکلام نحو الغیر حقیقهً إلّاإذا کان موجوداً ، وکان بحیث یتوجّه إلی الکلام ویلتفت إلیه .

الکلام فی ماوُضعت له أدوات الخطاب

ومنه قد انقدح: أنّ ما وضع للخطاب – مثل أدوات النداء – لو کان موضوعاً للخطاب الحقیقیّ ، لأوجب استعمالُه فیه تخصیصَ ما یقع فی تلوه بالحاضرین . کما أنّ قضیّه إراده العموم منه لغیرهم استعماله فی غیره .

لکنّ الظاهر : أنّ مثل أدوات النداء لم یکن موضوعاً لذلک ، بل للخطاب الإیقاعیّ الإنشائیّ . فالمتکلّم ربما یُوقع الخطاب بها تحسّراً وتأسّفاً وحزناً، مثل «یا کوکباً ما کان أقصر عمره» (1)، أو شوقاً ونحو ذلک، کما یوقعه مخاطِباً لمن ینادیه حقیقهً، فلا یوجب استعماله فی معناه الحقیقیّ حینئذٍ التخصیصَ بمن یصحّ مخاطبته .

نعم ، لا یبعد دعوی الظهور – انصرافاً – فی الخطاب الحقیقیّ ، کما هو الحال فی حروف الاستفهام والترجّی والتمنّی وغیرها ، علی ما حقّقناه فی بعض المباحث السابقه (2) من کونها موضوعهً للإیقاعیّ منها بدواعٍ مختلفه ، مع ظهورها فی الواقعیّ منها انصرافاً ، إذا لم یکن هناک ما یمنع عنه ، کما یمکن دعویٰ وجوده غالباً فی کلام الشارع؛ ضروره وضوح عدم اختصاص الحکم فی مثل: «یا أیّها الناس اتّقوا» و «یا أیّها المؤمنون» بمن حضر مجلسَ الخطاب ، بلا شبهه ولا ارتیاب .

[شماره صفحه واقعی : 316]

ص: 112


1- وتمام البیت : « وکذاک عمر کواکب الأسحار » ، وهو من رائیّه أبی الحسن التهامی فی رثاء ولده الذی مات صغیراً ، راجع الکنی والألقاب 1 : 48 – 49 .
2- فی المبحث الأول من مباحث صیغه الأمر فی الصفحه : 100 ؛ قال : إیقاظ : لا یخفی أنّ ما ذکرناه فی صیغه الأمر جارٍ فی سائر الصیغ الانشائیه … .

ویشهد لما ذکرنا : صحّهُ النداء بالأدوات ، مع إراده العموم من العامّ الواقع تِلْوَها بلا عنایه ، ولا للتنزیل والعلاقه رعایه .

وتوهّم کونِه ارتکازیّاً ، یدفعه عدمُ العلم به مع الالتفات إلیه والتفتیش عن حاله ، مع حصوله بذلک لو کان مرتکزاً (1) ، وإلّا فمن أین یعلم ثبوته (2) کذلک ؟ کما هو واضح .

وإن أبیت إلّاعن وضع الأدوات للخطاب الحقیقیّ ، فلا مناصَ عن التزام اختصاص الخطابات الإلٰهیّه – بأدوات الخطاب ، أو بنفس توجیه الکلام بدون الأداه – ، کغیرها ، بالمشافهین ، فی ما لم یکن هناک قرینه علی التعمیم .

وتوهّم (3) : صحّه التزام التعمیم فی خطاباته – تعالی – لغیر الموجودین – فضلاً عن الغائبین – ؛ لإحاطته بالموجود فی الحال والموجود فی الاستقبال .

فاسدٌ : ضروره أنّ إحاطته – تعالی – لا توجب صلاحیّه المعدوم – بل الغائب – للخطاب . وعدم صحّه المخاطبه معهما لقصورهما لا یوجب نقصاً فی ناحیته – تعالی – ، کما لا یخفی .

کما أنّ خطابه اللفظیّ – لکونه تدریجیّاً ومتصرّمَ الوجود – کان قاصراً عن أن یکون موجّهاً نحوَ غیر مَن کان بمسمع منه ضرورهً (4) .

[شماره صفحه واقعی : 317]

ص: 113


1- فی « ق » و « ش » : مع حصول العلم بذلک لو کان ارتکازیاً .
2- أثبتناها من « ر » . وفی غیرها : بثبوته .
3- ذکره – مع المناقشه فیه – فی الفصول : 183 ، وأورده فی مطارح الأنظار 2 : 192 – 193 وردّ علیه بما ذکره المصنّف هنا .
4- ردٌّ علی توهّم شمول الخطابات الشفاهیه للغائبین عن مجلس الخطاب وإن لم تشمل المعدومین .

هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل «یَا أیّها النَّاس اتَّقوا » (1)فی الکتاب حقیقهً إلی غیر النبیّ صلی الله علیه و آله بلسانه .

وأمّا إذا قیل بأ نّه المخاطَب والموجّه إلیه الکلام حقیقهً ، – وحیاً أو إلهاماً – ، فلا محیص إلّا (2)عن کون الأداه فی مثله للخطاب الإیقاعیّ ولو مجازاً .

وعلیه لا مجال لتوهّم اختصاص الحکم – المتکفّل له (3) الخطاب – بالحاضرین ، بل یعمّ المعدومین فضلاً عن الغائبین .

فصل : ثمره عموم الخطابات الشفاهیّه
اشاره

فصل (4) ثمره عموم الخطابات الشفاهیّه

ربما قیل: إنّه یظهر لعموم الخطابات الشفاهیّه للمعدومین ثمرتان (5):

الثمره الأُولی والإشکال علیها

الأُولی: حجّیّه ظهور خطابات الکتاب لهم کالمشافهین .

وفیه: أ نّه مبنیٌّ علی اختصاص حجّیّه الظواهر بالمقصودین بالإفهام ، وقد حُقّق عدم الاختصاص بهم .

[شماره صفحه واقعی : 318]

ص: 114


1- الحج : 1 .
2- الظاهر : زیاده کلمه « إلّا» . ( منته الدرایه 3 : 599 ) .
3- المناسب : به .
4- أدرجنا ما هو المثبت فی الأصل ، وفی طبعاته : فصل . قال فی منته الدرایه 3 : 600 الأولی : تبدیل « الفصل » بعنوان … « تذنیب » أو « تکمله » ؛ إذ هو ثمره لما قبله ومن توابعه .
5- ذکرهما المحقّق القمی فی القوانین 1 : 233 ، وانظر الفصول : 184 ، ومطارح الأنظار 2 : 194 – 198 .

ولوسلّم فاختصاص المشافهین بکونهم مقصودین بذلک ممنوعٌ ، بل الظاهر : أنّ الناس کلَّهُم إلی یوم القیامه یکونون کذلک ، وإن لم یعمّهم الخطاب ، کما یومئ إلیه غیر واحدٍ من الأخبار (1) .

الثمره الثانیهالإیراد علیها

الثانیه (2): صحّه التمسّک بإطلاقات الخطابات القرآنیّه – بناءً علی التعمیم – لثبوت الأحکام لمن وُجد وبلغ من المعدومین ، وإن لم یکن متّحداً مع المشافهین فی الصنف ، وعدمُ صحّته علی عدمه؛ لعدم کونها حینئذٍ متکفّلهً لأحکام (3) غیر المشافهین ، فلابدّ من إثبات اتّحاده معهم فی الصنف ، حتّی یُحکم بالاشتراک مع المشافهین فی الأحکام؛ حیث (4) لا دلیل علیه حینئذٍ إلّاالإجماع ، ولا إجماع علیه إلّافی ما اتّحد الصنف ، کما لا یخفی .

ولا یذهب علیک: أ نّه یمکنُ إثبات الاتّحاد ، وعدمِ دخْلِ ما کان البالغ الآن فاقداً له ممّا کان المشافهون واجدین له ، بإطلاق الخطاب إلیهم من دون التقیید به . وکونُهم کذلک لا یوجب صحّهَ الإطلاق مع إراده المقیّد منه (5) فی ما یمکن أن یتطرّق إلیه (6) الفقدان ، وإن صحّ فی ما لا یتطرّق إلیه ذلک .

[شماره صفحه واقعی : 319]

ص: 115


1- انظر وسائل الشیعه 1 : 413 ، الباب 23 من أبواب الوضوء ، الحدیث الأول ، و 12 : 309 ، الباب 164 من أبواب أحکام العشره ، الحدیث 10 و 19 : 82 – 83 ، الباب 6 من کتاب الودیعه ، الحدیث الأول .
2- راجع الفوائد الحائریه ( للوحید البهبهانی ) : 153 – 154 .
3- الأنسب : بأحکام .
4- فی الأصل : « وحیث » وفی طبعاته مثل ما أدرجناه .
5- فی « ر » ومنته الدرایه : إراده المقیّد معه .
6- أثبتنا « إلیه » من « ق » ، « ر » و « ش » .

ولیس المراد بالاتّحاد فی الصنف إلّاالاتّحاد فی ما اعتبر قیداً فی الأحکام ، لا الاتّحاد فی ما کثُر الاختلاف بحسبه ، والتفاوتُ بسببه بین الأنام ، بل فی شخصٍ واحدٍ بمرور الدهور والأیّام ، وإلّا لما ثبت بقاعده الاشتراک للغائبین – فضلاً عن المعدومین – حکمٌ من الأحکام .

ودلیل الاشتراک إنّما یُجدی فی عدم اختصاص التکالیف بأشخاص المشافهین ، فی ما لم یکونوا مختصّین بخصوص عنوانٍ ، لو لم (1) یکونوا معنونین به (2) لَشُکّ (3) فی شمولها لهم أیضاً . فلولا الإطلاق وإثبات عدم دخل ذاک العنوان فی الحکم لما أفاد دلیل الاشتراک . ومعه کان الحکم یعمّ غیرَ المشافهین ولو قیل باختصاص الخطابات بهم ، فتأمّل جیّداً .

فتلخّص: أ نّه لا یکاد تظهر الثمره إلّاعلی القول باختصاص حجّیّه الظواهر لمن قُصد إفهامه ، مع کون غیر المشافهین غیرَ مقصودین بالإفهام ، وقد حُقّق عدم الاختصاص به فی غیر المقام (4) ، وأُشیر إلی منع کونهم غیر مقصودین به فی خطاباته – تبارک وتعالی – فی المقام (5) .

[شماره صفحه واقعی : 320]

ص: 116


1- فی « ر » وحقائق الأُصول : أو لم . وقال فی حقائق الأُصول 1 : 527 : الظاهر : أ نّه بالواو بدل « أو » .
2- فی بعض النسخ : ولو کانوا معنونین به . راجع کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 426 ، ومنته الدرایه 3 : 610 .
3- فی « ر » : شکّ . وفی حقائق الأُصول : للشک .
4- فی مبحث حجّیه الظواهر ، إذ قال : کما أنّ الظاهر عدم اختصاص ذلک ( اتباع الظواهر ) بمن قُصد إفهامه . راجع الصفحه : 47 من الجزء الثانی .
5- فی هذا المبحث ، فی ردّ الثمره الأُولی ، حیث قال : ولو سلّم ، فاختصاص المشافَهین بکونهم مقصودین بذلک ممنوع .
فصل : تعقّب العامّ بضمیرٍ یرجع إلی بعض أفراده
اشاره

هل تعقُّبُ العامّ بضمیرٍ یرجع إلی بعض أفراده یوجب تخصیصَه به أو لا ؟

محلّ الخلاف فی المسأله

فیه خلافٌ بین الأعلام . ولیکن محلّ الخلاف ما إذا وقعا فی کلامین أو فی کلام واحد ، مع استقلال العامّ بما حُکم علیه فی الکلام ، کما فی قوله تبارک وتعالی: «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ یَتَرَبَّصْنَ » إلی قوله «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ » (1). وأمّا ما إذا کان مثل «و المطلقات أزواجهن أحق بردهن » فلا شبهه فی تخصیصه به (2) .

تحقیق المسأله

والتحقیق أن یقال: إنّه حیث دار الأمرُ بین التصرّف فی العامّ – بإراده خصوص ما أُرید من الضمیر الراجع إلیه – ، والتصرّف (3) فی ناحیه الضمیر – إمّا بإرجاعه إلی بعض ما هو المراد من مرجعه ، أو إلی تمامه مع التوسّع فی الإسناد ، بإسناد الحکم المسند إلی البعض حقیقهً ، إلی الکلّ توسّعاً وتجوّزاً – کانت أصاله الظهور فی طرف العامّ سالمهً عنها فی جانب الضمیر ؛ وذلک لأنّ المتیقّن من بناء العقلاء هو اتّباع الظهور فی تعیین المراد ، لا فی تعیین کیفیّه الاستعمال ، وأ نّه علی نحو الحقیقه أو المجاز فی الکلمه أو الإسناد ، مع القطع بما یراد ، کما هو الحال فی ناحیه الضمیر .

وبالجمله: أصاله الظهور إنّما تکون حجّه فی ما إذا شکّ فی ما أُرید ، لا فی ما إذا شکّ فی أ نّه کیف أُرید ، فافهم .

[شماره صفحه واقعی : 321]

ص: 117


1- البقره : 228 .
2- هذا التحدید لمحلّ الخلاف مذکور فی الفصول : 211 مع اختلاف یسیر .
3- فی غیر حقائق الأُصول : أو التصرّف .

لکنّه (1) إذا انعقد للکلام ظهور فی العموم ، بأن لا یُعدّ ما اشتمل علی الضمیر ممّا یکتنف به (2) عرفاً ، وإلّا فیحکم علیه بالإجمال ، ویرجع إلی ما یقتضیه الأُصول.

إلّاأن یقال باعتبار أصاله الحقیقه تعبّداً ، حتّی فی ما إذا احتفّ بالکلام ما لا یکون ظاهراً معه فی معناه الحقیقیّ ، کما عن بعض الفحول (3) .

فصل : التخصیص بالمفهوم المخالف
اشاره

قد اختلفوا فی جواز التخصیص بالمفهوم المخالف – مع الاتّفاق علی الجواز بالمفهوم الموافق – علی قولین (4) . وقد استُدِلّ لکلٍّ منهما بما لا یخلو عن قصور .

تحقیق المسأله: لزوم الأخذ بالأظهر وإلّافالرجوع إلی الأصل العملی

وتحقیق المقام: أ نّه إذا ورد العامّ وما لَه المفهوم فی کلام أو کلامین ، ولکن علی نحوٍ یصلح أن یکون (5) کلٌّ منهما قرینهً متّصله (6) للتصرّف فی

[شماره صفحه واقعی : 322]

ص: 118


1- فی « ر » زیاده : حجه .
2- الأولی : تبدیل الضمیر بالظاهر ، بأن یقال : « بما یصلح للقرینیّه » ؛ لأنّ ضمیر « به » راجع إلی الضمیر فی قوله : « علی الضمیر » فکأ نّه قیل : بأن لا یعدّ ما اشتمل علی الضمیر ممّا یکتنف بالضمیر عرفاً ، وهذا لا محصّل له . ( منته الدرایه 3 : 619 ) .
3- لعلّ المقصود به هو صاحب الفصول . راجع الفصول : 212 .
4- فذهب الأکثرون إلی الجواز وآخرون إلی المنع . راجع المعالم: 140 والقوانین 1: 304 .
5- فی الأصل : علی نحوٍ یکون . وفی طبعاته مثل ما أثبتناه .
6- کلمه « متصله » مشطوبٌ علیها فی « ق » .

الآخر ، ودار الأمر بین تخصیص العموم أو (1) إلغاء المفهوم ، فالدلاله علی کلٍّ منهما إن کانت بالإطلاق – بمعونه مقدّمات الحکمه ، أو بالوضع – فلا یکون هناک عموم ولا مفهوم؛ لعدم تمامیّه مقدّمات الحکمه فی واحدٍ منهما ، لأجل المزاحمه ، کما فی مزاحمه ظهور أحدهما وضعاً لظهور الآخر کذلک ، فلابدّ من العمل بالاُصول العملیّه فی ما دار الأمر (2) بین العموم والمفهوم إذا لم یکن – مع ذلک – أحدهما أظهر (3) ، وإلّا کان مانعاً عن انعقاد الظهور أو استقراره فی الآخر (4) .

ومنه قد انقدح الحال فی ما إذا لم یکن بین ما دلّ علی العموم ، وما لَه المفهوم ذاک الارتباط والاتّصال ، وأ نّه لابدّ أن یعامل مع کلٍّ منهما معامله المجمل ، لو لم یکن فی البین أظهرُ ، وإلّا فهو المعوّل والقرینهُ علی التصرّف فی الآخر بما لا یخالفه بحسب العمل .

[شماره صفحه واقعی : 323]

ص: 119


1- الأولی : تبدیله بالواو . ( منته الدرایه 3 : 623 ) .
2- أثبتنا الجمله کما هی فی « ر » وفی غیرها : دار فیه .
3- المناسب : أن یعبّر عوض قوله : « أظهر » بکلمه : « ظاهراً » ؛ لأنّ الأظهریّه فرع انقعاد ظهور للآخر ، وانعقاد الظهورین فی کلام واحد أو ما فی حکمه ، غیر ممکن ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 432 ) .
4- لم یذکر فی العباره اختلاف المتصلین فی الوضع والحکمه ، والظاهر سقوطه من القلم ، بقرینه قوله فی ما سبق : « فالدلاله علی کل منهما إن کانت … » ؛ لأنّ سیاق هذه العباره دالّ علی کونه بصدد ذکر شرطیه أُخری متعرضه لحکم الاختلاف … ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 433 ) .
فصل : الاستثناء المتعقّب لجُمَلٍ متعاطفه
اشاره

الاستثناء (1) المتعقّب لجُملٍ متعدّده (2) :

هل الظاهر هو رجوعه إلی الکلّ (3)، أو خصوص الأخیره (4)، أو لا ظهور له فی واحدٍ منهما ، بل لابدّ فی التعیین من قرینه (5) ؟ أقوال .

لا إشکال فی رجوع الاستثناءإلی الأخیره

والظاهر : أ نّه لا خلاف ولا إشکال فی رجوعه إلی الأخیره علی أیّ حالٍ؛ ضرورهَ أنّ رجوعه إلی غیرها بلا قرینهٍ خارجٌ عن طریقه أهل المحاوره .

لا إشکال فی صحه رجوع الاستثناء إلی الکلّ

وکذا فی صحّه رجوعه إلی الکلّ ، وإن کان المتراءیٰ من کلام صاحب المعالم رحمه الله (6)– حیث مهّد مقدّمهً لصحّه رجوعه إلیه (7) – أ نّه محلّ الإشکال والتأمّل .

[شماره صفحه واقعی : 324]

ص: 120


1- لا یخفی : عدم اختصاص البحث بالاستثناء ، وجریانه فی سائر التوابع من النعت والحال وغیرهما … . ( منته الدرایه 3 : 628 ) .
2- الأولی : تبدیلها ب « المتعاطفه » ؛ لدلاله « الجمل » علی التعدّد . . . بخلاف التعاطف ؛ فإنّ لفظ «الجمل» لا یدلّ علیه، مع أن مفروض البحث هو الجمل المتعاطفه ؛ إذ فی غیرها ینفصل البیان، وتکون نسبه الخاص إلی کل واحده منها واحده. (منته الدرایه 3: 628).
3- وهو المنسوب إلی المذهب الشافعی ، واختاره الشیخ الطوسی أیضاً . یراجع : الذریعه 1 : 249 ، والعده 1 : 321 .
4- وهو مختار أبی حنیفه وأتباعه ( الإحکام ، للآمدی 2 : 300 ) ، واختاره العلّامه الحلّی فی مبادیء الوصول : 136 .
5- وهو ما ذهب إلیه السیّد المرتضی ( الذریعه 1 : 249 ) .
6- المعالم : 124 .
7- یظهر لمن راجعه (کلام صاحب المعالم) أنّ غرضه إثبات ما اختاره من الاشتراک المعنوی من بین الأقوال ، لا إثبات الإمکان ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 437 ) ، وراجع منته الدرایه 3 : 630 .

وذلک ضرورهَ أنّ تعدّد المستثنی منه – کتعدّد المستثنیٰ – لا یوجب تفاوتاً أصلاً فی ناحیه الأداه بحسب المعنی – کان الموضوع له فی الحروف عامّاً أو خاصّاً – ، وکان المستعمل فیه الأداه فی ما کان المستثنی منه متعدّداً ، هو المستعمل فیه فی ما کان واحداً ، کما هو الحال فی المستثنیٰ بلا ریب ولا إشکال. وتعدُّدُ المُخرَج أو المُخرَج عنه خارجاً، لا یوجب تعدّدَ ما استعمل فیه أداه الإخراج مفهوماً .

لا ظهور للاستثناء فی الرجوع إلی الجمیع أوخصوص الأخیره

وبذلک یظهر: أ نّه لا ظهور لها فی الرجوع إلی الجمیع ، أو خصوص الأخیره ، وإن کان الرجوع إلیها متیقّناً علی کلّ تقدیر .

نعم ، غیر الأخیره أیضاً من الجمل لا یکون ظاهراً فی العموم؛ لاکتنافه بما لا یکون معه ظاهراً فیه، فلابدّ فی مورد الاستثناء فیه من الرجوع إلی الأُصول.

اللهمّ إلّاأن یقال بحجّیّه أصاله الحقیقه تعبّداً ، لا من باب الظهور ، فیکون المرجع – علیه – أصالهَ العموم إذا کان وضعیّاً ، لا ما إذا کان بالإطلاق ومقدّمات الحکمه؛ فإنّه لا یکاد تتمّ تلک المقدّمات مع صلوح الاستثناء للرجوع إلی الجمیع ، فتأمّل (1)* .

[شماره صفحه واقعی : 325]

ص: 121


1- (*) إشارهٌ إلی أ نّه یکفی فی منع جریان المقدّمات صلوح الاستثناء لذلک؛ لاحتمال اعتماد المطلق حینئذٍ فی التقیید علیه ، لاعتقاد أ نّه کافٍ فیه . اللهمّ إلّاأن یقال: إنّ مجرّد صلوحه لذلک – بدون قرینه علیه – غیر صالح للاعتماد ، ما لم یکن بحسب متفاهم العرف ظاهراً فی الرجوع إلی الجمیع . فأصاله الإطلاق مع عدم القرینه محکّمه؛ لتمامیّه مقدّمات الحکمه ، فافهم . ( منه قدس سره ) .
فصل : تخصیص الکتاب بخبر الواحد
اشاره

ألحقّ : جواز تخصیص الکتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص ، کما جاز بالکتاب ، أو بالخبر المتواتر ، أو المحفوف بالقرینه القطعیّه من خبر الواحد

الدلیل علی جواز التخصیص

بلا ارتیاب؛ لما هو الواضح من سیره الأصحاب علی العمل بأخبار الآحاد فی قبال عمومات الکتاب إلی زمن الأئمّه علیهم السلام .

واحتمال أن یکون ذلک بواسطه القرینه واضح البطلان (1) .

مع أ نّه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرّه أو ما بحکمه؛ ضرورهَ ندره خبرٍ لم یکن علی خلافه عمومُ الکتاب ، لو سلّم وجود ما لم یکن کذلک (2) .

أدلّه المانعین من التخصیص والجواب عنها

– وکونُ العامّ الکتابیّ قطعیّاً صدوراً ، وخبر الواحد ظنّیّاً سنداً ، لا یمنع عن التصرّف فی دلالته غیرِ القطعیّه قطعاً ، وإلّا لما جاز تخصیص المتواتر به أیضاً ، مع أ نّه جائز جزماً .

والسرُّ: أنّ الدوران فی الحقیقه بین أصاله العموم ودلیل سند الخبر ، مع أنّ الخبر – بدلالته وسنده – صالحٌ للقرینیّه علی التصرّف فیها ، بخلافها ، فإنّها غیر صالحه لرفع الید عن دلیل اعتباره .

– ولا ینحصر الدلیل علی الخبر بالإجماع ، کی یقال ب «أ نّه فی ما لا یوجد

[شماره صفحه واقعی : 326]

ص: 122


1- فی « ر » زیاده : فإنّه تعویلٌ علی ما یعلم خلافه بالضروره .
2- هذا الوجه وسابقه مذکوران فی مطارح الأنظار 2 : 220 – 221 ونقل الثانی منهما عن بعض الأفاضل ، – وهو المحقّق القمّی فی القوانین 1 : 310 – وأجاب عنه .

علی خلافه دلاله، ومع وجود الدلاله القرآنیّه یسقط وجوب العمل به» (1). کیف ؟ وقد عرفت : أنّ سیرتهم مستمرّه علی العمل به فی قبال العمومات الکتابیّه .

– والأخبارُ (2) الدالّه علی أنّ الأخبار المخالفه للقرآن یجب طرحها ، أو ضربها علی الجدار (3) ، أو أ نّها زخرف ، أو أ نّها ممّا لم یقل بها الإمام علیه السلام ، وإن کانت کثیرهً جدّاً ، وصریحهَ الدلاله علی طرح المخالف (4) ، إلّاأ نّه لا محیص عن أن یکون المراد من المخالفه فی هذه الأخبار غیرَ مخالفه العموم ، إن لم نقل بأ نّها لیست من المخالفه عرفاً ، کیف ؟ وصدور الأخبار المخالفه للکتاب – بهذه المخالفه – منهم علیهم السلام کثیرهٌ جدّاً .

مع قوّه احتمال أن یکون المراد : أ نّهم لا یقولون بغیر ما هو قول اللّٰه – تبارک وتعالی – واقعاً ، وإن کان هو علی خلافه ظاهراً ، شرحاً لمرامه – تعالی – ، وبیاناً لمراده من کلامه ، فافهم .

– والملازمه بین جواز التخصیص وجواز النسخ به ممنوعهٌ، وإن کان مقتضی القاعده جوازَهما؛ لاختصاص النسخ بالإجماع علی المنع. مع وضوح الفرق بتوافر الدواعی إلی ضبطه ، ولذا قلّ الخلاف فی تعیین موارده ، بخلاف التخصیص (5).

[شماره صفحه واقعی : 327]

ص: 123


1- هذا الوجه حکاه صاحب المعالم عن المحقّق . انظر المعالم : 141 والمعارج : 96 .
2- راجع الکافی 1 : 69 ، باب الأخذ بالسنه وشواهد الکتاب .
3- لم نعثر علی هذا النص فی جوامع الحدیث ، وإنما ورد عن النبی صلی الله علیه و آله : ما خالفه فاضربوا به عرض الحائط . ( التبیان 1 : 5 ) .
4- أصل هذا الوجه للشیخ فی العدّه 1 : 144 و 350 ، راجع فرائد الأُصول 1 : 245 .
5- الأدلّه الأربعه للمانعین – المذکوره هنا – وأجوبتها وردت فی مطارح الأنظار 2 : 221 – 226 ، وانظر المعالم : 141 .
فصل : الخاص والعام المتخالفان
اشاره

لا یخفی: أنّ الخاصّ والعامّ المتخالفین یختلف حالهما ناسخاً ومخصِّصاً (1) ومنسوخاً ، فیکون الخاصُّ : مخصِّصاً تارهً ، وناسخاً مرّهً ، ومنسوخاً أُخری :

صُوَر التخالف وأحکامها

وذلک لأنّ الخاصّ إن کان مقارناً مع العامّ ، أو وارداً بعده قبلَ حضور وقت العمل به ، فلا محیص عن کونه مخصِّصاً وبیاناً له .

وإن کان بعد حضوره کان ناسخاً لا مخصِّصاً ؛ لئلّا یلزم تأخیرُ البیان عن وقت الحاجه فی ما إذا کان العامّ (2) وارداً لبیان الحکم الواقعیّ ، وإلّا لکان الخاصّ أیضاً مخصِّصاً له ، کما هو الحال فی غالب العمومات والخصوصات فی الآیات والروایات (3) .

[شماره صفحه واقعی : 328]

ص: 124


1- إن کانت کلمه « مخصّصاً » مبنیّه للمفعول ، کانت الصفات الثلاث حالاً من ضمیر التثنیه باعتبار العام . وإن کانت مبنیّه للفاعل ، کانت حالاً منه باعتبار الخاص ، وذلک خلاف المتعارف ، مع أ نّه لا یجوز الحال من المضاف إلیه . والأولی أن یقال : الخاص الملحوظ بالنسبه إلی عام مخالف له یکون ناسخاً تاره ، ومخصِّصاً أُخری ، ومنسوخاً ثالثه . ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 447 ) .
2- الأولی أن یقول : فی ما أُحرز کون العام .. ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 454 ) .
3- فی « ر » هنا زیاده : « وإن کان العام وارداً بعده قبل حضور وقت العمل به ، کان الخاص مخصّصاً وبیاناً له » . وفی منته الدرایه 3 : 651 : الأولی : ذکر هذه الزیاده عقیب قوله : « قبل حضور وقت العمل » حتی لا یتخلّل بین الصور الثلاث المتحده فی الحکم – وهو کون الخاص مخصّصاً – ما یغایرها فی الحکم .

وإن کان العامّ وارداً بعد حضور وقت العمل بالخاصّ ، فکما یحتمل أن یکون الخاصّ مخصّصاً للعامّ ، یحتمل أن یکون العامّ ناسخاً له ، وإن کان الأظهر أن یکون الخاصّ مخصّصاً؛ لکثره التخصیص حتّی اشتهر: ما من عامّ إلّاوقد خُصّ ، مع قلّه النسخ فی الأحکام جدّاً . وبذلک یصیر ظهور الخاصّ فی الدوام – ولو کان بالإطلاق – أقوی من ظهور العامّ – ولو کان بالوضع – ، کما لا یخفی .

هذا فی ما عُلم تأریخُهما .

وأمّا لو جُهل وتردّد بین أن یکون الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ ، وقبل حضوره ، فالوجه هو الرجوع إلی الأُصول العملیّه .

وکثره التخصیص وندره النسخ هاهنا، وإن کانا یوجبان الظنّ بالتخصیص أیضاً ، وأ نّه واجدٌ لشرطه ، إلحاقاً له بالغالب ، إلّاأ نّه لا دلیل علی اعتباره ، وإنّما یوجبان الحملَ علیه فی ما إذا ورد العامّ بعد حضور وقت العمل بالخاصّ؛ لصیروره الخاصّ بذلک فی الدوام أظهر من العامّ ، کما أُشیر إلیه (1)، فتدبّر جیّداً.

ثمّ إنّ تعیُّن الخاصّ للتخصیص ، إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعامّ ، أو ورد العامّ قبل حضور وقت العمل به ، إنّما یکون مبنیّاً علی عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل ، وإلّا فلا یتعیّن له ، بل یدور بین کونه مخصِّصاً وناسخاً (2)* فی الأوّل ، ومخصَّصاً ومنسوخاً فی الثانی ، إلّاأنّ الأظهر کونه

[شماره صفحه واقعی : 329]

ص: 125


1- آنفاً قبل أسطر ، بقوله : وبذلک یصیر ظهور الخاص فی الدوام – ولو کان بالإطلاق – أقویٰ من ظهور العامّ .
2- (*) لا یخفی: أنّ کونه مخصّصاً بمعنی کونه مبیّناً لمقدار المرام من العامّ1) ، وناسخاً بمعنی کون حکم العامّ غیر ثابت فی نفس الأمر فی مورد الخاصّ ، مع کونه مراداً أو – 1) فی غیر « ر » : بمقدار المرام عن العام . مقصوداً بالإفهام فی مورده بالعامّ کسائر الأفراد ، وإلّا فلا تفاوت بینهما عملاً أصلاً ، کما هو واضح لا یکاد یخفی . ( منه قدس سره ) .

مخصِّصاً ، ولو فی ما کان ظهور العامّ فی عموم الأفراد أقوی من ظهور الخاصّ فی الخصوص (1)؛ لما أُشیر إلیه من تعارف التخصیص وشیوعه ، وندره النسخ جدّاً فی الأحکام .

حقیقه النسخ

ولا بأس بصرف الکلام إلی ما هو نخبه القول فی النسخ .

فاعلم: أنّ النسخ وإن کان رفعَ الحکم الثابت إثباتاً ، إلّاأ نّه فی الحقیقه دفع الحکم ثبوتاً ، وإنّما اقتضت الحکمه إظهارَ دوام الحکم واستمراره ، أو أصلَ إنشائه وإقراره ، مع أ نّه بحسب الواقع لیس له قرار ، أو لیس له دوام واستمرار؛ وذلک لأنّ النبیّ الصادع للشرع (2) ربما یُلهَم أو یوحیٰ إلیه أن یُظهر الحکم أو استمراره ، مع اطّلاعه علی حقیقه الحال ، وأ نّه یُنسِخ فی الاستقبال ، أو مع عدم اطّلاعه علی ذلک؛ لعدم إحاطته بتمام ما جریٰ فی علمه – تبارک وتعالی – . ومن هذا القبیل لعلّه یکون أمرُ إبراهیم علیه السلام بذبح إسماعیل علیه السلام .

النسخ لا یستلزم البداء المحال

وحیث عرفت: أنّ النسخ بحسب الحقیقه یکون دفعاً ، وإن کان بحسب الظاهر رفعاً ، فلا بأس به مطلقاً ، ولو کان قبل حضور وقت العمل؛ لعدم لزوم البداء المحال فی حقّه – تبارک وتعالی – ، بالمعنی المستلزم لتغیّر إرادته – تعالی – مع اتّحاد الفعل ذاتاً وجههً ، ولا لزومِ (3) امتناع النسخ أو الحکم المنسوخ؛ فإنّ

[شماره صفحه واقعی : 330]

ص: 126


1- فی الأصل : « وإن کان ظهور العام فی عموم الأفراد أقوی من ظهوره وظهور الخاص فی الدوام » ، إلّاأنّ فی طبعاته مثل ما أثبتناه .
2- الأنسب : بالشرع .
3- فی « ر » ، « ق » ، « ش » وحقائق الأُصول : « وإلّا لزم » . وفی حقائق الأُصول 1 : 543 : الموجود فی بعض النسخ : « ولا لزوم » بدل : « وإلّا لزم » . والظاهر أنه الصحیح ، ویکون معطوفاً علی قوله : لعدم لزوم البداء . وفی منته الدرایه 3 : 662 : الأولی أن یقال : « وعدم لزوم » ؛ لتکون العباره هکذا : لعدم لزوم البداء المحال … وعدم لزوم امتناع النسخ .. .

الفعل إن کان مشتملاً علی مصلحه موجبه للأمر به امتنع النهی عنه ، وإلّا امتنع الأمر به ؛ وذلک لأنّ الفعل أو دوامه لم یکن متعلّقاً لإرادته ، فلا یستلزم نسخُ أمره بالنهی تغییرَ إرادته ، ولم یکن الأمر بالفعل من جهه کونه مشتملاً علی مصلحه ، وإنّما کان إنشاء الأمر به أو إظهار دوامه عن حکمه ومصلحه .

حقیقه البداء

وأمّا البداء فی التکوینیّات بغیر ذاک المعنی ، فهو ممّا تدلّ (1) علیه الروایات المتواترات (2) ، کما لا یخفی .

ومجمله: أنّ اللّٰه – تبارک وتعالی – إذا تعلّقت مشیئته (3) بإظهار ثبوت ما یمحوه – لحکمهٍ داعیهٍ إلی إظهاره – ألهَم أو أوحیٰ إلی نبیّه أو ولیّه أن یُخبر به ، مع علمه بأ نّه یمحوه ، أو مع عدم علمه به؛ لما أُشیر إلیه (4) من عدم الإحاطه بتمام ما جری فی علمه . وإنّما یخبر به ؛ لأنّه حال الوحی أو الإلهام – لارتقاء نفسه الزکیّه ، واتّصاله بعالم لوح المحو والإثبات – اطّلع علی ثبوته ، ولم یطّلع علی کونه معلَّقاً علی أمرٍ (5) غیرِ واقع ، أو عدم الموانع ، قال اللّٰه – تبارک وتعالی – : «یَمْحُوا اللّٰهُ مٰا یَشٰاءُ وَ یُثْبِتُ » (6)الآیه .

[شماره صفحه واقعی : 331]

ص: 127


1- أثبتناها من « ر » ، وفی غیرها : ممّا دلّ .
2- راجع الکافی 1 : 146 ، باب البداء .
3- فی غیر « ر » : مشیئته تعالی .
4- آنفاً بقوله : لعدم إحاطته بتمام ما جری فی علمه تبارک وتعالی .
5- کلمه « أمر » لم ترد فی الأصل ، وأثبتناها من طبعاته .
6- الرعد : 39 .

نعم ، مَن شملته العنایه الإلهیّه ، واتّصلت نفسه الزکیّه بعالم اللوح المحفوظ – الّذی هو من أعظم العوالم الربوبیّه ، وهو امّ الکتاب – ینکشف (1) عنده الواقعیّات علی ما هی علیها ، کما ربما یتّفق لخاتم الأنبیاء ولبعض الأوصیاء ، و (2)کان عارفاً بالکائنات کما کانت وتکون .

نعم ، مع ذلک ، ربما یوحیٰ إلیه حکمٌ من الأحکام : تارهً بما یکون ظاهراً فی الاستمرار والدوام ، مع أ نّه فی الواقع له غایه وأمدٌ یعیّنها بخطاب آخر ، وأُخری بما یکون ظاهراً فی الجدّ ، مع أ نّه لا یکون واقعاً بجدٍّ ، بل لمجرّد الابتلاء والاختبار ، کما أ نّه یؤمر وحیاً أو إلهاماً بالإخبار بوقوع عذابٍ أو غیره ممّا لا یقع ؛ لأجل حکمهٍ فی هذا الإخبار أو ذاک الإظهار .

فبداؤه (3) تعالی بمعنی: أ نّه یُظهِر ما أمَرَ نبیَّه أو ولیَّه بعدم إظهاره أوّلاً ، ویُبدی ما خفی ثانیاً .

وإنّما نسب إلیه – تعالی – البداء مع أ نّه فی الحقیقه الإبداء؛ لکمال شباهه إبدائه – تعالی – کذلک بالبداء فی غیره .

وفی ما ذکرنا کفایه فی ما هو المهمّ فی باب النسخ ، ولا داعی بذکر تمام ما ذکروه فی ذاک الباب ، کما لا یخفی علی اولی الألباب .

الثمره بین التخصیص والنسخ

[شماره صفحه واقعی : 332]

ص: 128


1- أثبتناها من « ق » و « ش » . وفی غیرهما : یکشف . یراجع منته الدرایه 3 : 666 .
2- فی غیر « ق » و « ش » : « کان عارفاً » ، بدون الواو . یلاحظ المصدر السابق أیضاً .
3- أثبتناها من « ر » وفی غیرها : فبدا له .

ثمّ لا یخفی ثبوت الثمره بین التخصیص والنسخ؛ ضرورهَ أ نّه علی التخصیص یُبنیٰ علی خروج الخاصّ عن حکم العامّ رأساً ، وعلی النسخ علی ارتفاع حکمه عنه من حینه ، فی ما دار الأمر بینهما فی المخصّص .

وأمّا إذا دار بینهما فی الخاصّ والعامّ ، فالخاصُّ علی التخصیص غیر محکوم بحکم العامّ أصلاً ، وعلی النسخ کان محکوماً به من حین صدور دلیله ، کما لا یخفی .

[شماره صفحه واقعی : 333]

ص: 129

[شماره صفحه واقعی : 334]

ص: 130

المقصد الخامس : فی المطلق والمقیّد والمجمل والمبیّن

اشاره

[شماره صفحه واقعی : 335]

ص: 131

[شماره صفحه واقعی : 336]

ص: 132

فصل : ألفاظ المطلق
تعریف المطلق

عُرّف المطلق بأ نّه : ما دلّ علی شائع فی جنسه (1) .

وقد أشکل علیه بعضُ الأعلام (2) بعدم الاطّراد والانعکاس (3) ، وأطال الکلام فی النقض والإبرام .

وقد نبّهنا فی غیر مقامٍ علی أنّ مثله شرح الاسم ، وهو ممّا یجوز أن لا یکون بمطّرد ولا بمنعکس .

فالأولی : الإعراض عن ذلک ، ببیان ما وضع له بعض الألفاظ الّتی یطلق علیها المطلق ، أو غیرها (4) ممّا یناسب المقام :

ألفاظ المطلق :

1 – اسم الجنس

فمنها: اسم الجنس ، کإنسان ورجل وفرس وحیوان وسواد وبیاض …

إلی غیر ذلک من أسماء الکلّیّات من الجواهر والأعراض بل العرضیّات (5) .

[شماره صفحه واقعی : 337]

ص: 133


1- القوانین 8 : 321 .
2- هو صاحب الفصول فی فصوله : 218 .
3- أثبتناها من « ر » وفی غیرها : أو الانعکاس .
4- فی غیر « ق » و « ش » : أو من غیرها .
5- مراده من الأول (الأعراض) هو: المتأصّل من الأعراض. ومن الثانی (العرضیّات)هو : الاعتباری منها ، وهذا خلاف اصطلاح أهل المعقول ؛ حیث یطلقون الأول علی المبادی – أصیلهً کانت أو اعتباریه – ، مثل السواد والملکیه ، والثانی علی المشتق ، کالأسود والمالک . ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 469 ) .

ولا ریب أ نّها موضوعه لمفاهیمها بما هی هی مبهمه مهمله ، بلا شرطٍ أصلاً ملحوظٍ (1) معها ، حتّی لحاظ أ نّها کذلک .

التحقیق فی ما وضع له اسم الجنس

وبالجمله: الموضوع له اسم الجنس هو : نفس المعنی ، وصِرف المفهوم غیرِ الملحوظ معه شیءٌ أصلاً – الّذی هو المعنی بشرط شیء – ، ولو کان ذاک الشیء هو الإرسال والعموم البدلیّ ، ولا الملحوظ معه عدمُ لحاظ شیءٍ معه – الّذی هو الماهیّه اللابشرط القسمیّ – ؛ وذلک لوضوح صدقها – بما لها من المعنی – بلا عنایه التجرید عمّا هو قضیّه الاشتراط والتقیید فیها ، کما لا یخفی .

مع بداهه عدم صدق المفهوم بشرط العموم علی فردٍ من الأفراد ، وإن کان یعمّ کلّ واحد منها بدلاً أو استیعاباً . وکذا المفهوم اللّابشرط القسمیّ ، فإنّه کلّیّ عقلیّ (2) لا موطن له إلّاالذهن ، لا یکاد یمکن صدقه وانطباقه علیها؛ بداهه أنّ مناطه الإتّحاد بحسب الوجود خارجاً ، فکیف یمکن أن یتّحد معها ما لا وجود له إلّاذهناً ؟

2 – علم الجنس

ومنها: علم الجنس ، ک «أُسامه» . والمشهور بین أهل العربیّه: أ نّه موضوع للطبیعه لا بما هی هی ، بل بما هی متعیّنه بالتعیّن الذهنیّ ، ولذا یعامَل معه معامله المعرفه بدون أداه التعریف .

[شماره صفحه واقعی : 338]

ص: 134


1- فی « ق » ، « ش » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه : ملحوظاً .
2- قد تقدّم – فی المعنی الحرفی – أنّ إطلاقه هنا مسامحه ( کفایه الأُصول مع حاشیه المشکینی 2 : 472 ) .

التحقیق فی ما وضع له علم الجنس

لکنّ التحقیق: أ نّه موضوع لصِرف المعنی بلا لحاظ شیءٍ معه أصلاً – کاسم الجنس – ، والتعریف فیه (1) لفظیٌّ – کما هو الحال فی التأنیث اللفظیّ – ، وإلّا لما صحّ حمله علی الأفراد بلا تصرّف وتأویل؛ لأنّه علی المشهور کلّیّ عقلیّ (2) ، وقد عرفت : أ نّه لا یکاد یصحّ صدقه (3) علیها (4) ، مع صحّه حمله علیها بدون ذلک کما لا یخفی؛ ضروره أنّ التصرّف فی المحمول ، بإراده نفس المعنی بدون قیده تعسّفٌ ، لا یکاد یکون بناء القضایا المتعارفه علیه .

مع أنّ وضعَهُ لخصوص معنی یحتاج إلی تجریده عن خصوصیّته عند الاستعمال ، لا یکاد یصدر عن جاهل ، فضلاً عن الواضع الحکیم .

3 – المفرد المعرّف باللام

اشاره

ومنها: المفرد المعرّف باللام . والمشهور أ نّه علی أقسام:

المعرّف بلام الجنس ، أو الاستغراق ، أو العهد بأقسامه ، علی نحو الاشتراک بینها لفظاً أو معنیً .

التحقیق فی مفاد

المعرّف باللام

والظاهر : أنّ الخصوصیّه فی کلّ واحد من الأقسام من قِبل خصوص «اللام» ، أو من قِبل قرائن المقام ، من باب تعدّد الدالّ والمدلول ، لا باستعمال المدخول ، لیلزم فیه المجاز أو الاشتراک ، فکان المدخول علی کلّ حال مستعملاً فی ما یستعمل فیه غیر المدخول .

والمعروف : أنّ «اللام» تکون موضوعهً للتعریف ، ومفیدهً للتعیین فی غیر العهد الذهنیّ .

[شماره صفحه واقعی : 339]

ص: 135


1- فی « ر » : والتعریف معه .
2- هذا الإطلاق مسامحیّ کما تقدّم .
3- أثبتنا العباره من « ر » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه ، وفی غیرها : لا یکاد صدقه .
4- فی « ر » : صدقه علی الأفراد .

وأنت خبیرٌ بأ نّه لا تعیّن (1) فی تعریف الجنس ، إلّاالإشاره إلی المعنی المتمیّز بنفسه من بین المعانی ذهناً . ولازمه أن لا یصحّ حمل المعرّف باللام – بما هو معرَّفٌ – علی الأفراد؛ لما عرفت من امتناع الاتّحاد مع ما لا موطن له إلّا الذهن ، إلّابالتجرید . ومعه لا فائده فی التقیید .

مع أنّ التأویل والتصرّف فی القضایا المتداوله فی العرف غیرُ خالٍ عن التعسّف . هذا .

مضافاً (2) إلی أنّ الوضع لِما لا حاجه إلیه – بل لابدّ من التجرید عنه وإلغائه فی الاستعمالات المتعارفه المشتمله علی حمل المعرّف باللام أو الحمل علیه – کان لغواً ، کما أشرنا إلیه (3) .

فالظاهر : أنّ «اللام» مطلقاً تکون للتزیین ، کما فی « الحسن » و « الحسین » . واستفاده الخصوصیّات إنّما تکون بالقرائن الّتی لابدّ منها لتعیینها (4) علی کلّ حال ، ولو قیل بإفاده « اللام » للإشاره إلی المعنی . ومع الدلاله علیه بتلک الخصوصیّات لا حاجه إلی تلک الإشاره ، لو لم تکن مخلّه ، وقد عرفت إخلالها ، فتأمّل جیّداً .

الجمع المعرّف باللام

وأمّا دلاله الجمع المعرّف باللام علی العموم – مع عدم دلاله المدخول علیه – : فلا دلاله فیها علی أ نّها تکون لأجل دلاله اللام علی التعیین (5)

[شماره صفحه واقعی : 340]

ص: 136


1- أثبتنا الکلمه کما وردت فی الأصل و « ش » وفی غیرهما : لا تعیین .
2- لم یظهر المراد به زائداً علی ما أفاده بقوله : ومعه لا فائده . ( حقائق الأُصول 1 : 552 ) . وراجع منته الدرایه 3 : 698 .
3- إذ قال آنفاً : مع أنّ و ضعه لخصوص معنی یحتاج إلی تجریده … .
4- فی « ر » و « ش » : لتعیّنها .
5- فی الأصل : التعیّن ، وفی أکثر طبعاته مثل ما أثبتناه .

– حیث أ نّه (1) لا تعیّن إلّاللمرتبه المستغرقه لجمیع الأفراد (2) – ؛ وذلک لتعیّن المرتبه الاُخریٰ ، وهی أقلّ مراتب الجمع ، کما لا یخفی .

فلابدّ أن تکون دلالته علیه مستندهً إلی وضعه کذلک لذلک (3) ، لا إلی دلاله اللام علی الإشاره إلی المعیّن ، لیکون به التعریف .

وإن أبیت إلّاعن استناد الدلاله علیه إلیه ، فلا محیص عن دلالته علی الاستغراق بلا توسیط الدلاله علی التعیین ، فلا یکون بسببه تعریفٌ إلّالفظاً ، فتأمّل جیّداً .

4 – النکره

ومنها: النکره ، مثل «رجل» فی «وَ جٰاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَی الْمَدِینَهِ » (4)، أو فی «جئنی برجل» .

التحقیق فی مفاد النکره ولا إشکال أنّ المفهوم منها فی الأوّل – ولو بنحو تعدّد الدالّ والمدلول – هو : الفرد المعیّن فی الواقع ، المجهولُ عند المخاطب ، المحتملُ الانطباق علی غیر واحد من أفراد الرجل .

کما أ نّه فی الثانی هی : الطبیعه المأخوذه مع قید الوحده ، فیکون حصّهً من الرجل ، ویکون کلّیّاً ینطبق علی کثیرین ، لا فرداً مردّداً بین الأفراد .

وبالجمله: النکره – أی ما بالحمل الشائع یکون نکرهً عندهم – إمّا هو فردٌ معیّنٌ فی الواقع غیرُ معیَّنٍ للمخاطب ، أو حصّهٌ کلّیّه ، لا الفرد المردّد بین

[شماره صفحه واقعی : 341]

ص: 137


1- أثبتناها من « ر » وفی غیرها : حیث لا تعیّن .
2- ردٌّ علی الفصول : 169 ، وهدایه المسترشدین 3 : 189 ، حیث ادّعیا أنّ دلاله الجمع المعرّف باللام ، إنما هی لعدم تعیّن شیء من مراتب الجمع سوی الجمیع ، فیتعیّن إرادته .
3- کما ذهب إلی ذلک المحقق القمی فی قوانینه 1 : 216 .
4- القصص : 20 .

الأفراد (1)؛ وذلک لبداهه کون لفظ «رجل» فی «جئنی برجل» نکرهً ، مع أ نّه یصدق علی کلّ مَن جیء به من الأفراد ، ولا یکاد یکون واحد منها هذا أو غیره ، کما هو قضیّه الفرد المردّد ، لو کان هو المراد منها؛ ضروره أنّ کلّ واحدٍ هو هو ، لا هو أو غیره .

فلابدّ أن تکون النکره الواقعه فی متعلّق الأمر ، هو الطبیعیّ المقیّد بمثل مفهوم الوحده ، فیکون کلّیّاً قابلاً للانطباق ، فتأمّل جیّداً .

إذا عرفت ذلک ، فالظاهر : صحّه إطلاق « المطلق » عندهم – حقیقهً – علی اسم الجنس والنکره بالمعنی الثانی ، کما یصحّ لغهً . وغیرُ بعید أن یکون جریهم فی هذا الإطلاق علی وِفْق اللغه ، من دون أن یکون لهم فیه اصطلاح علی خلافها ، کما لا یخفی .

نعم ، لو صحّ ما نُسِب إلی المشهور (2) ، من کون المطلق عندهم موضوعاً لما قُیّد بالإرسال والشمول البدلیّ ، لَما کان ما أُرید منه الجنس أو الحصّه عندهم بمطلق ، إلّاأنّ الکلام فی صدق النسبه .

ولا یخفی: أنّ المطلق بهذا المعنی لطروء القید (3) غیرُ قابل؛ فإنّ ما له من الخصوصیّه ینافیه ویعانده . وهذا (4) بخلافه بالمعنیین ، فإنّ کلّاً منهما له قابل؛ لعدم انثلامهما بسببه أصلاً ، کما لا یخفی .

[شماره صفحه واقعی : 342]

ص: 138


1- خلافاً لما ذهب إلیه صاحب الفصول فی فصوله : 163 من أنّ النکره فردٌّ من الجنس لا بعینه ، وأنّ مدلولها جزئی ولیس بکلّی .
2- کما فی القوانین 1 : 321 ، حیث قال : المطلق – علی ما عرّفه أکثر الأُصولییّن – هو ما دلّ علی شائع فی جنسه .
3- فی بعض الطبعات : التقیید .
4- فی الأصل ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه : بل وهذا .

وعلیه لا یستلزم التقییدُ تجوّزاً فی المطلق؛ لإمکان إراده معناه من لفظه (1) وإرادهِ قیده من قرینه حال أو مقال ، وإنّما استلزمه لو کان (2) بذاک المعنی .

نعم ، لو أُرید من لفظه : المعنی المقیّد ، کان مجازاً مطلقاً ، کان التقیید بمتّصل أو منفصل .

فصل : مقدّمات الحکمه
اشاره

قد ظهر لک: أ نّه لا دلاله لمثل «رجل» إلّاعلی الماهیّه المبهمه وضعاً ، وأنّ الشیاع والسریان – کسائر الطوارئ – یکون خارجاً عمّا وضع له .

فلابدّ فی الدلاله علیه من قرینه حالٍ ، أو مقالٍ ، أو حکمهٍ .

وهی تتوقّف علی مقدّمات:

إحداها: کون المتکلّم فی مقام بیان تمام المراد ، لا الإهمال أو الإجمال .

ثانیتها: انتفاء ما یوجب التعیین .

ثالثتها: انتفاء القدر المتیقّن فی مقام التخاطب ، ولو کان المتیقّن بملاحظه الخارج عن ذاک المقام فی البین ، فإنّه غیر مؤثّر فی رفع الإخلال بالغرض ، لو کان بصدد البیان ، کما هو الفرض .

فإنّه – فی ما تحقّقت – لو لم یرد الشیاعَ لأخلّ بغرضه؛ حیث إنّه

[شماره صفحه واقعی : 343]

ص: 139


1- فی «ن»، «ق»، «ش»، حقائق الأُصول ومنته الدرایه: لإمکان إراده معنی لفظه منه .
2- فی « ر » زیاده : المطلق .

لم یبیّنه (1) مع أ نّه بصدده. وبدونها لا یکاد یکون هناک إخلال به؛ حیث لم یکن مع انتفاء الأُولی إلّافی مقام الإهمال أو الإجمال ، ومع انتفاء الثانیه کان البیان بالقرینه (2)؛ ومع انتفاء الثالثه لا إخلال بالغرض لو کان المتیقّن تمام مراده؛ فإنّ الفرض أ نّه بصدد بیان تمامه وقد بیّنه ، لا بصدد بیان أ نّه تمامه ، کی أخلّ ببیانه (3) ، فافهم (4)* .

شبهه عدم جواز التمسّک بالإطلاق بعد الظفر بالقید المنفصل والجواب عنها

ثمّ لا یخفی علیک (5): أنّ المراد بکونه فی مقام بیان تمام مراده : مجرّدُ بیان ذلک وإظهاره وإفهامه ، ولو لم یکن عن جدٍّ ، بل قاعدهً وقانوناً؛ لیکون حجّه فی ما لم تقم (6) حجّهٌ أقویٰ علی خلافه ، لا البیان فی قاعده قبح تأخیر البیان

[شماره صفحه واقعی : 344]

ص: 140


1- أثبتناها من « ر » ومنته الدرایه . وفی غیرهما : لم ینبّه .
2- کان الأولی أن یقول بدله : کان المقیّد هو المبیّن ، فیحکم بأ نّه المراد . ( حقائق الأُصول 1 : 557 ) .
3- الصواب : أن تکون العباره هکذا : « کی یخلّ » أو : « کی یکون أخلّ » . ( منته الدرایه 3 : 720 ) .
4- (*) إشارهٌ إلی أ نّه لو کان بصدد بیان أ نّه تمامه ، ما أخلّ ببیانه ، بعد عدم نصب قرینه علی إراده تمام الأفراد؛ فإنّه بملاحظته یفهم أنّ المتیقّن تمام المراد ، وإلّا کان علیه نصب القرینه علی إراده تمامها ، وإلّا قد أخلّ بغرضه . نعم ، لا یفهم ذلک إذا لم یکن إلّابصدد بیان أنّ المتیقّن مرادٌ ، لا بصدد1) بیان أنّ غیره مراد أو لیس بمراد ، قبالاً للإجمال والإهمال المطلقین ، فافهم ، فإنّه لا یخلو عن دقّه . ( منه قدس سره ) .
5- ردٌّ لما ورد فی مطارح الأنظار 2 : 259 من أنّ نسبه المطلق إلی الدلیل المقید نسبه الأصل إلی الدلیل .
6- أثبتنا ما فی الأصل ، وفی طبعاته : لم تکن . – 1) فی « ر » ، حقائق الأُصول ومنته الدرایه : ولم یکن بصدد .

عن وقت الحاجه ، فلا یکون الظفر بالمقیِّد – ولو کان مخالفاً – کاشفاً (1) عن عدم کون المتکلّم فی مقام البیان . ولذا لا ینثلم به إطلاقُه وصحّهُ التمسّک به أصلاً ، فتأمّل جیّداً .

وقد انقدح بما ذکرنا : أنّ النکره فی دلالتها علی الشیاع والسریان أیضاً تحتاج – فی ما لا یکون هناک دلالهُ حالٍ أو مقالٍ – إلی مقدّمات (2) الحکمه ، فلا تغفل .

الأصل عند الشکّ فی کون المتکلّم فی مقام البیان

بقی شیء:

وهو أ نّه لا یبعد أن یکون الأصل فی ما إذا شکّ فی کون المتکلّم فی مقام بیان تمام المراد هو : کونه بصدد بیانه ؛ وذلک لما جرت علیه سیره أهل المحاورات من التمسّک بالإطلاقات ، فی ما إذا لم یکن هناک ما یوجب صرْفَ وجهها إلی جهه خاصّه .

ولذا تری أنّ المشهور لا یزالون یتمسّکون بها مع عدم إحراز کون مطلِقها بصدد البیان ، وبُعدِ کونه لأجل ذهابهم إلی أ نّها موضوعه للشیاع والسریان ، وإن کان ربما نسب ذلک إلیهم (3) . ولعلّ وجهَ النسبه ملاحظهُ أ نّه لا وجه للتمسّک بها بدون الإحراز ، والغفلهُ عن وجهه ، فتأمّل جیّداً .

الانصراف و مراتبه

ثمّ إنّه قد انقدح بما عرفت – من توقّف حمل المطلق علی الإطلاق فی ما

[شماره صفحه واقعی : 345]

ص: 141


1- فی « ر » : « فلا یکون الظفر بالمقیّد لو کان کاشفاً » ، والعباره علی التقدیرین لا تخلو من اضطراب . والمناسب أن تکون العباره هکذا : « فلا یکون الظفر بالمقیّد کاشفاً » . راجع منته الدرایه 3 : 723 .
2- فی الأصل و « ن » : من مقدّمات .
3- راجع القوانین 1 : 321 .

لم یکن هناک قرینه حالیّه أو مقالیّه علی قرینه الحکمه ، المتوقّفه علی المقدّمات المذکوره – : أ نّه لا إطلاق له فی ما کان له الانصراف إلی خصوص بعض الأفراد أو الأصناف؛ لظهوره فیه ، أو کونِه متیقّناً منه ، ولو لم یکن ظاهراً فیه بخصوصه ، حَسَب اختلاف مراتب الانصراف .

کما أنّ (1) منها ما لا یوجب ذا ولا ذاک ، بل یکون بدویّاً زائلاً بالتأمّل .

کما أنّ (2) منها ما یوجب الاشتراک ، أو النقل .

لا یقال (3): کیف یکون ذلک ؟ وقد تقدّم أنّ التقیید لا یوجب التجوّز فی المطلق أصلاً .

فإنّه یقال: – مضافاً إلی أ نّه إنّما قیل (4) لعدم استلزامه له ، لا عدمِ إمکانه؛ فإنّ استعمال المطلق فی المقیّد بمکانٍ من الإمکان – إنّ کثره إراده المقیّد لدیٰ إطلاق المطلق ولو بدالٍّ آخر ربما تبلغ بمثابه توجب له مزیّهَ أُنسٍ (5) – کما فی المجاز المشهور – أو تعیّناً واختصاصاً به – کما فی المنقول بالغلبه – ، فافهم .

إذا کان للمطلق جهات عدیده

تنبیه (6):

وهو أ نّه یمکن أن یکون للمطلق جهات عدیده ، کان وارداً فی مقام البیان من جههٍ منها ، وفی مقام الإهمال أو الإجمال من أُخری ، فلابدّ فی حمله

[شماره صفحه واقعی : 346]

ص: 142


1- أثبتنا الکلمه من « ر » وفی غیرها : أ نّه .
2- أثبتنا الکلمه من « ر » وفی غیرها : أ نّه .
3- هذا الإشکال وجوابه مذکوران فی مطارح الأنظار 2 : 265 .
4- الأنسب ذکر « به » بعد قوله : قیل انظر منته الدرایه 3 : 734 .
5- فی « ر » : مزید أُنس ، وفی هامش « ق » و « ش » : مرتبهُ أُنس (نسخه بدل ) .
6- هذا التنبیه مذکور فی مطارح الأنظار 2 : 269 – 270 بعنوان : تذنیب .

علی الإطلاق بالنسبه إلی جههٍ ، من کونه بصدد البیان من تلک الجهه ، ولا یکفی کونه بصدده من جهه أُخری ، إلّاإذا کان بینهما ملازمه عقلاً أو شرعاً أو عادهً ، کما لا یخفی .

فصل : المطلق والمقیّد المتنافیان
اشاره

إذا ورد مطلق و مقیّد متنافیین : فإمّا یکونان مختلفین فی الإثبات والنفی ، وإمّا یکونان متوافقین .

المطلق والمقیّد المختلفان

فإن کانا مختلفین ، مثل: «أعتق رقبه» و «لا تعتق رقبه کافره» ، فلا إشکال فی التقیید .

المطلق والمقیّد المتوافقان

وإن کانا متوافقین ، فالمشهور فیهما الحمل والتقیید .

وقد استدلّ (1) بأ نّه جمع بین الدلیلین ، وهو أولی .

وقد أُورد علیه (2) بإمکان الجمع علی وجهٍ آخر ، مثل حمل الأمر فی المقیّد علی الاستحباب .

وأُورد علیه (3): بأنّ التقیید لیس تصرّفاً فی معنی اللفظ ، وإنّما هو تصرّف

[شماره صفحه واقعی : 347]

ص: 143


1- نسبه فی مطارح الأنظار 2 : 273 إلی الأکثر .
2- فی القوانین 1 : 325 .
3- هذا الایراد من الشیخ الأعظم الأنصاری ، انتصاراً لدلیل المشهور . راجع مطارح الأنظار 2 : 273 .

فی وجهٍ من وجوه المعنیٰ ، اقتضاه تجرّدُه عن القید ، مع تخیُّل وروده فی مقام بیان تمام المراد ، وبعد الاطّلاع علی ما یصلح للتقیید نعلم وجوده علی وجه الإجمال ، فلا إطلاق فیه حتّی یستلزم تصرّفاً ، فلا یعارض ذلک بالتصرّف فی المقیّد ، بحمل أمره علی الاستحباب .

وأنت خبیر بأنّ التقیید أیضاً یکون تصرّفاً فی المطلق؛ لما عرفت (1) من أنّ الظفر بالمقیّد لا یکون کاشفاً عن عدم ورود المطلق فی مقام البیان ، بل عن عدم کون الإطلاق – الّذی هو ظاهره بمعونه الحکمه – بمراد جدّیّ ، غایه الأمر أنّ التصرّف فیه بذلک لا یوجب التجوّز فیه .

مع أنّ حمل الأمر فی المقیّد علی الاستحباب لا یوجب تجوّزاً فیه؛ فإنّه فی الحقیقه مستعملٌ فی الإیجاب ، فإنّ المقیّد إذا کان فیه ملاک الاستحباب ، کان من أفضل أفراد الواجب ، لا مستحبّاً فعلاً؛ ضروره أنّ ملاکه لا یقتضی استحبابه إذا اجتمع مع ما یقتضی وجوبه .

نعم ، فی ما إذا کان إحرازُ کون المطلقِ فی مقام البیان بالأصل ، کان من التوفیق بینهما حملُه علی أ نّه سیق فی مقام الإهمال ، علی خلاف مقتضی الأصل ، فافهم .

[شماره صفحه واقعی : 348]

ص: 144


1- الظاهر : أنّ العباره لا تخلو عن الاضطراب وسوء التأدیه ؛ لأنّ قوله : « لما » ظاهر فی کونه علّه لکون التقیید تصرّفاً فی المطلق ، ولا یلائمه ؛ لعدم المناسبه بین التعلیل والمعلّل … فلو کانت العباره هکذا : « بأنّ التقیید أیضاً یکون تصرّفاً فی المطلق ؛ لأنّ قضیّه التقیید عدم کون المطلق مراداً جدّیاً للمتکلم ، وهو خلاف الظاهر » کانت صواباً . ( منته الدرایه 3 : 744 ) .

ولعلّ وجه التقیید : کون ظهور إطلاق الصیغه فی الإیجاب التعیینیّ أقویٰ من ظهور المطلق فی الإطلاق .

الوجه فی عدم حمل المطلق علی المقیّد فی المستحبّات

وربما یُشکل (1) بأ نّه یقتضی التقیید فی باب المستحبّات ، مع أنّ بناء المشهور علی حمل الأمر بالمقیّد فیها علی تأکّد الاستحباب . اللهمّ إلّا أن یکون الغالب فی هذا الباب هو تفاوت الأفراد بحسب مراتب المحبوبیّه ، فتأمّل .

أو أ نّه کان بملاحظه التسامح فی أدلّه المستحبّات ، وکان عدمُ رفع الید عن (2) دلیل استحباب المطلق – بعد مجیء دلیل المقیّد – وحمله علی تأکّد استحبابه ، من التسامح فیها (3)* .

لا فرق فی الحمل علی المقیّد بین المثبتین و المنفیّین

ثمّ إنّ الظاهر : أ نّه لا یتفاوت فی ما ذکرنا بین المثبتَیْن والمنفیَّیْن (4) بعد فرض کونهما متنافیین .

[شماره صفحه واقعی : 349]

ص: 145


1- أورده فی مطارح الأنظار 2 : 281 وأجاب علیه .
2- أثبتناها من منته الدرایه وفی غیره : من دلیل .
3- (*) ولا یخفی: أ نّه لو کان حمل المطلق علی المقیّد جمعاً عرفیّاً ، کان قضیّته عدم الاستحباب إلّاللمقیّد ، وحینئذٍ إن کان بلوغ الثواب صادقاً علی المطلق ، کان استحبابه تسامحیّاً ، وإلّا فلا استحباب له1) أصلاً ، کما لا وجه – بناءً علی هذا الحمل ، وصدق البلوغ – لتأکّد الاستحباب فی المقیّد ، فافهم . ( منه قدس سره ) .
4- تعریض بمن ذهب إلی عدم الحمل فی المنفیّین ، کالعلّامه الحلّی فی نهایه الوصول : 175 وصاحب المعالم فی معالمه : 152 ، والشیخ البهائی رحمهم الله فی زبده الأُصول : 143 . انظر مطارح الأنظار 2 : 282 . – 1) فی « ق » وحقائق الأُصول ومنته الدرایه : فلا استحباب له وحده .
لا فرق فی استظهار التنافی بین استظهاره من وحده السبب وغیرها

کما لا یتفاوتان فی استظهار التنافی بینهما من استظهار اتّحاد التکلیف من وحده السبب (1) وغیره (2) ، من قرینه حالٍ أو مقالٍ حَسَبما یقتضیه النظر ، فلیتدبّر .

لا فرق فی الحمل علی المقیّد بین لحکم التکلیفی و الوضعی

تنبیهٌ:

لا فرق فی ما ذُکر من الحمل فی المتنافیین بین کونهما فی بیان الحکم التکلیفیّ ، وفی بیان الحکم الوضعیّ . فإذا ورد – مثلاً – : أنّ البیع سبب ، وأنّ البیع الکذائیّ سبب ، وعُلم أنّ مراده : إمّا البیع علی إطلاقه ، أو البیع الخاصّ ، فلابدّ من التقیید لو کان ظهور دلیله فی دخل القید أقوی من ظهور دلیل الإطلاق فیه ، کما هو لیس ببعید؛ ضروره تعارف ذکر المطلق وإراده المقیّد – بخلاف العکس – بإلغاء القید وحملِه علی أ نّه غالبیّ ، أو علی وجهٍ آخر ، فإنّه علی خلاف المتعارف .

اختلاف نتیجهمقدّمات الحکمه

تبصرهٌ لا تخلو من تذکره:

وهی: أنّ قضیّه مقدّمات الحکمه فی المطلقات تختلف حسب اختلاف المقامات :

[شماره صفحه واقعی : 350]

ص: 146


1- تعریض بمن اعتبر اتحاد السبب والموجب فی عنوان البحث ، کصاحب المعالم فی معالمه : 151 – 152 ، والمحقّق القمّی فی القوانین 1 : 322 .
2- الأولی أن تکون العباره هکذا : « کما لا یتفاوتان فی استظهار ما یوجب التنافی بینهما من اتحاد التکلیف بین استظهاره من وحده السبب وغیرها » وذلک لاقتضاء قوله : « لا یتفاوتان » وجود کلمه « بین » کما لا یخفی . وینبغی تأنیث ضمیر « غیره » ؛ لرجوعه إلی « وحده » لا إلی « السبب » . واستظهار التنافی منوط بإحراز وحده الحکم ، فلابدّ من استظهار وحدته أولاً ، ثمّ إضافه التنافی إلی الدلیلین . ( منته الدرایه 3 : 755 ) .

فإنّها تارهً : یکون حملها علی العموم البدلیّ ، وأُخری : علی العموم الاستیعابیّ ، وثالثهً : علی نوعٍ خاصّ ممّا ینطبق علیه ، حسب اقتضاء خصوص المقام ، واختلافِ الآثار والأحکام ، کما هو الحال فی سائر القرائن بلا کلام .

فالحکمه فی إطلاق صیغه الأمر تقتضی أن یکون المراد : خصوص الوجوب التعیینیّ العینیّ النفسیّ ؛ فإنّ إراده غیره تحتاج إلی مزید بیان ، ولا معنی لإراده الشیاع فیه ، فلا محیص عن الحمل علیه فی ما إذا کان بصدد البیان .

کما أ نّها قد تقتضی العموم الاستیعابیّ ، کما فی «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَیْعَ » (1)؛ إذ إراده البیع مهملاً أو مجملاً تنافی ما هو المفروض من کونه بصدد البیان ، وإرادهُ العموم البدلیّ لا تناسب المقام .

ولا مجال لاحتمال إراده بیعٍ اختاره المکلّف – أیَّ بیعٍ کان – ، مع أ نّها تحتاج إلی نصب دلاله علیها ، لا یکاد یفهم بدونها من الإطلاق .

ولا یصحّ قیاسه علی ما إذا أُخذ فی متعلّق الأمر؛ فإنّ العموم الاستیعابیّ (2) لا یکاد یمکن إرادته ، وإرادهُ غیر العموم البدلیّ وإن کانت ممکنه ، إلّا أ نّها منافیه للحکمه وکونِ المطلِق بصدد البیان (3) .

[شماره صفحه واقعی : 351]

ص: 147


1- البقره : 275 .
2- فی « ر » زیاده : فی مثل ذلک .
3- فی « ر » زیاده : کما لا یخفی .
فصل : فی المجمل والمبیّن
تعریف المجمل والمبیّن

والظاهر : أنّ المراد من المبیَّن – فی موارد إطلاقه – : الکلامُ الّذی له ظاهر ، ویکون بحسب متفاهم العرف قالباً لخصوص معنی؛ والمجمل بخلافه .

فما لیس له ظهورٌ : مجملٌ ، وإن عُلم بقرینهٍ خارجیّه ما أُرید منه ، کما أنّ ما له الظهور : مبیّنٌ ، وإن عُلم بالقرینه الخارجیّه أ نّه ما أُرید ظهوره وأ نّه مؤوّل (1) .

موارد الاشتباه والخلاف فی الإجمال والبیان

ولکلٍّ منهما – فی الآیات والروایات – وإن کان أفرادٌ کثیره لا تکاد تخفیٰ ، إلّا أنّ لهما أفراداً مشتبههً ، وقعت محلَّ البحث والکلام للأعلام فی أ نّها من أفراد أیّهما ؟ کآیه السرقه (2) ، ومثل: «حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهٰاتُکُمْ » (3)و «أُحِلَّتْ لَکُمْ بَهِیمَهُ الْأَنْعٰامِ » (4)ممّا اضیف التحریم والتحلیل إلی الأعیان (5) ، ومثل «لا صَلاهَ إلّا بطَهور» (6) .

ولا یذهب علیک: أنّ إثبات الإجمال أو البیان لا یکاد یکون بالبرهان (7)؛ لما عرفت من أنّ ملاکهما أن یکون للکلام ظهور ، ویکون قالباً

[شماره صفحه واقعی : 352]

ص: 148


1- هذا تعریض بما فی مطارح الأنظار 2 : 299 من عدّه هذا القسم من مصادیق المجمل .
2- وهی قوله تعالی : «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَهُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُمٰا » المائده : 38 .
3- النساء : 23 . (4) المائده : 1 .
4-
5- فی غیر « ر » : مما أُضیف التحلیل إلی الأعیان .
6- وسائل الشیعه 1 : 315 ، الباب 9 من أبواب أحکام الخلوه ، الحدیث 9 .
7- هذا تعریض بکلّ من تعرّض لإثبات دعوی الإجمال والبیان ، کما صنعه جماعه . ( حقائق الأُصول 1 : 569 ) .

لمعنیً ، وهو ممّا یظهر بمراجعه الوجدان ، فتأمّل .

الإجمال والبیان

وصفان إضافیّان

ثمّ لا یخفیٰ: أ نّهما وصفان إضافیّان ، ربما یکون مجملاً عند واحدٍ – لعدم معرفته بالوضع ، أو لتصادم ظهوره بما حفّ به لدیه – ، ومبیَّناً لدی الآخر – لمعرفته وعدم التصادم بنظره – ، فلا یهمّنا التعرّض لموارد الخلاف ، والکلام والنقض والإبرام فی المقام ، وعلی اللّٰه التوکّل وبه الاعتصام .

[شماره صفحه واقعی : 353]

ص: 149

به بالای صفحه بردن